و الاستحقاق: يستوي فيه - كما يقول ابن عابدين الحنفي - المعنى اللغوي والشرعي, وهو ظهور كون الشيء حقا واجبا للغير [1] , وعرفه ابن عرفة بأنه: رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله بغير عوض [2] .
ويثبت الاستحقاق بهذا المعنى الاصطلاحي بالبينة عند عامة الفقهاء [3] , أما مدلوله في القاعدة التي بين أيدينا فأوسع من هذا المجال الضيق وجار حيث ينتفي النزاع فيقع الاستحقاق بالظاهر ولا يكون لإقامة البينات محل.
فالقاعدة تقرر ثبوت الاستحقاق بالظاهر الغالب على الظن وقوعه حيث لا منازع. ومثال ذلك في إثبات الملك: وصف مالك اللقطة لها وصفا وافيا دقيقا يذكر فيه تفاصيل وخفايا لا يطلع عليها غيره عادة [4] ؛ وفي ثبوت الزوجية -مثلا- كون المرأة تحت يد الرجل يعاملها معاملة الزوجة, عند انتفاء المنازع في هاتين الحالتين.
وثبوت الاستحقاق بالظاهر يتجاذبه أصلان شرعيان قويان:
أولهما: ما للظاهر من تأثير معتبر في الأحكام الشرعية, معبر عنه بقاعدة:"الحكم ينبني على الظاهر ما لم يتبين خلافه".
ثانيهما: ما يقتضيه الحكم بالاستحقاق من احتياط وهو المعبر عنه بقاعدة:"الحقوق لا تؤخذ إلا بأسباب ظاهرة الصحة [5] ".
وجمعا بين هذين الأصلين جعل الفقهاء"الظَّاهِر حُجَّة لِدَفْعِ الاسْتِحْقَاقِ لا"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: حاشية ابن عابدين 5/ 191.
[2] انظر: شرح حدود ابن عرفة للرصاع 2/ 228.
[3] انظر: الموسوعة الكويتية 3/ 220.
[4] وشرط بعضهم لذلك أن يصيب مجموع الصفة بحيث إن أصاب تسعة أعشارها وأخطأ العشر لم يعط، انظر: الذخيرة للقرافي 9/ 120.
[5] قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 94، 95.