لملك العين, كمن سبق إلى أرض موات أو ماء أو كلأ أو صيد ونحو ذلك, كما تشمل أحقيته بالانتفاع به دون ملك عينه إذا كانت الإباحة متعلقة بالمنفعة دون ملك العين كما في السبق إلى أماكن الجلوس والسكنى ونحو ذلك؛ فإن مَن أباحها سواء أكان الشارع أم غيره إنما أباح الانتفاع بها دون ملك عينها.
وبالتقرير السابق لمعنى القاعدة يظهر أنها مع تضمنها لجواز تملك المباحات بالسبق إليها - إنما سيقت لتكون حكمًا في فض التنازع الذي ربما يحصل على المباحات عند التزاحم عليها, كما يظهر أنها ليست خاصة بإحياء الموات فتكونَ ضابطًا فيه, كما قد يذهب الظن إلى ذلك, بل هي أعم من ذلك من حيث العموم الواضح في لفظة (المباح) الواردة في أكثر صيغها, ومن حيث استعمال الفقهاء لها والتخريج عليها.
هذا, ولا يتم ملك المباح بمجرد السبق إليه حتى يحوزه ويحرزه, فإذا وقف إنسان في أرض بها كلأ وعشب ولم يأخذ هذا العشب المباح أخذه فإنه لا يملكه بمجرد سبقه إليه, بحيث إذا أتى بعده مَن قطعه وحازه كان أحق به دون السابق الذي لم يحرزه, وقد عبر عن ذلك قول الفقهاء:"المباح لا يملك إلا بالإحراز"فيما يعد قيدًا للقاعدة التي بين أيدينا.
ومما تتقيد به القاعدة أيضًا أن لا يكون في أخذ المباح ضرر على الغير؛ فإذا كان نهر يمر على عدة بلاد مثلًا لم يجز لأهل البلدة الأولى أن يأخذوا من مائه ما زاد عن حاجتهم أو أن يحولوا مجراه إلى بلادهم ليمنعوا مَنْ بعدهم من حقهم فيه؛ يقول صاحب كنز الدقائق: الأنهار العظام كدجلة والفرات غير مملوك, ولكلٍّ أن يسقي أرضه, ويتوضأ به, ويشربه وينصب الرحى عليه, ويكري نهرًا منها إلى أرضه إن لم يضر بالعامة. قال الزيلعي في شرح ذلك: وشرط لجواز الانتفاع به أن لا يضر بالعامة, فإن كان يضر بالعامة بأن يميله بالكري أو نصب الرحى فليس له ذلك ; لأن الانتفاع بالمباح لا يجوز إلا إذا كان