بالحقوق في هذه القاعدة حقوق العباد, و حق العبد هو ما كان راجعًا إلى مصالحه الخاصة في الدنيا, المقررةِ بمقتضى الشرع [1] , مثل حق البائع في الثمن و حق المشتري في المبيع, و حق الشخص في بدل ماله التالف, والرجوع بالعيب في المعاوضات, والأخذ بالشفعة إذا انعقد سببها, والاقتصاص ممن ظلمه إذا تحقق الموجب, و نحو ذلك, و يقابلها حق الله تعالى, و هو عبادته جل ثناؤه بامتثال أوامره و اجتناب نواهيه, و يدخل فيه ما فيه نفع عام دون أن يختص بشخص معين, مثل الحدود, ومثل الحكم في أموال الدولة والوقوف والوصايا التي ليست لمعين. و من الفروق المهمة بين حقوق الله تعالى و بين حقوق العباد أن حقوق العباد تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها, بخلاف حقوق الله تعالى التي لا تقبل شيئًا من ذلك [2] .
والقاعدة التي بين أيدينا تعالج جانبا مهما من الأحكام المتعلقة بإسقاط الحقوق, وقد قرّرت أن الشخص الذي يملك الصلاحية لأن تصدر منه التصرفات على وجهها المعتبر شرعا لا يمنع من ترك حقه, كله أو بعضه, لدى الآخرين بإرادته المنفردة المستقلة, سواء كان الإسقاط تبرعًا محضا كالتنازل عن الشفعة أو العفو عن بعض حقه في القصاص إذا كان ذلك ممكنا كما في القصاص من الأطراف, أو الحط من الديون الثابتة في الذمة بسبب البيع أو القرض أو الضمان, أو كان إسقاطًا بعوض كأخذ المال بطريق الصلح عوضا عن إسقاط حق ثابت في حقه, فـ"الصلح من المدعي إسقاط لحقه بعوض" [3] .
وهذه القاعدة من مخرجات أصل قوي ثابت شرعا وهو أنه يجوز للمالك أن يتصرف في ملكه بما شاء من أنواع التصرفات [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الموافقات 2/ 318، كشف الأسرار 4/ 267.
[2] انظر: الفروق 1/ 40، مجموع الفتاوى 28/ 297، و 31/ 232، إعلام الموقعين 1/ 108.
[3] المبسوط 20/ 153.
[4] السيل الجرار 3/ 37.