والقاعدة ليست على إطلاقها, فليس كل حق للفرد يجوز إسقاط شيء منه [1] , وباستقراء تطبيقات هذه القاعدة بحسب استعمال الفقهاء لها, يتبين أنها مقيدة في الإعمال بعدة قيود, وهي:
أولا: ألاَّ يكون الإسقاط قبل وجود سبب الوجوب: وهذا ما تفيده قاعدة"إسقاط الحق قبل وجود سببه لا يصح", فمن أسقط حقا لم يثبت له ولا وجد سبب وجوبه, فإن هذا الإسقاط والتنازل عن حق لم يجب بعد يُعَدُّ لاغيًا وباطلًا, لا يترتب عليه أي أثر شرعي, كالتنازل عن الشفعة في العقار قبل بيعه وإسقاط جزء من ثمن الشيء قبل عقد البيع عليه, وإنما يكيف هذا التصرف على أنه مجرد وعد لا يتصف باللزوم قضاءً؛ لعدم مصادفته محله, بل إن إسقاط ما ليس بثابت محال لا يتصور [2] .
ثانيا: ألا يؤدي إسقاط الشخص لحقه إلى إسقاط حق الشرع: يمنع الإنسان من إسقاط شيء من حقه إذا كان يتعدى إلى حق الشرع بالإسقاط [3] وفي قول الفقهاء:"رضا العبد بإسقاط حقه لا يتعدى إلى حق الشرع بالإسقاط"الإشارة إلى ذلك, وعليه لو رضيت المرأة بأنها لا سكنى لها في العدة ولا نفقة فلا يسقط حقها في السكنى ويسقط حقها في النفقة؛ لأن النفقة حقها وإسقاطها حق نفسها صحيح فأما السكنى ففيها حق الشرع وإسقاط ما هو حق الشرع باطل [4] ما لم يكن في المقام مع مُطَلِّقِهَا ضرر في نفسها ومالها وذلك عذر في إسقاط حق الشرع [5] , وعليه أيضا إذا كان المعقود عليه عصيرا قد تخمَّر فرضي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: نظرية التعسف للدريني ص 33.
[2] انظر: المبسوط للسرخسي 5/ 186، 14/ 105، 20/ 132، بدائع الصنائع 4/ 16، 5/ 19، 267، المجموع 9/ 206، كشاف القناع 5/ 148.
[3] انظر: فتح القدير لابن الهمام 3/ 13.
[4] انظر: المبسوط للسرخسي 5/ 203.
[5] المبسوط للسرخسي 6/ 34.