فهرس الكتاب
والخامس: في حقوق الولايات: كما إذا تنازع الإمامة العظمى اثنان وتكافآ في صفات الترجيح قدم أحدهما بالقرعة, وكاجتماع الأولياء في النكاح, والورثة في استيفاء القصاص فتجري بينهم القرعة لترجيح أحدهم [1] .
ولا مدخل للقرعة في تعيين الواجب المبهم من العبادات المحضة ونحوها ابتداءً [2] ؛ لأن العبادات تبنى على اليقين, والثابت بالقرعة مشكوك فيه, فمثلًا: من ترك صلاة لكن لا يدري أهي الظهر أم العصر, فإنه لا يقرع بينهما, وإنما الواجب أن يجتهد في ذلك فإن غلب على ظنه شيء عمل به, وإلا فلا يخرج من العهدة إلا بأداء صلاتين صلاة الظهر وصلاة العصر, فإنه بذلك يكون قد قضى الفائتة, والثانية نافلة. وكذلك الحال في الجمرات, إذا شك هل رمى ستًا أو سبعًا, وكذلك إذا شك في عدد الطواف والسعي فإنه لا يقرع في ذلك وإنما عليه أن يجتهد فإن غلب على ظنه شيء عمل به على الراجح وإن لم يغلب على ظنه شيء فإنه يبني على اليقين وهو الأقل دائمًا [3] .
كما حكى بعضهم الإجماع على عدم جريان القرعة في عقد النكاح, فلو أذنت لولييها في النكاح فأنكحاها معًا فكلا العقدين باطل [4] , والقياس أن لا تجرى أيضًا في سائر العقود؛ لأن الإبهام والجهالة من مفسدات العقد. واختلفوا في أشياء أخرى مما لا تجري فيه القرعة, ليس هنا محل تفصيلها.
ويتبين مما تقدم أن إعمال هذه القاعدة مقيد بتساوي الحقوق وعدم وجود أي مرجح آخر, وعدم تعيين الحق أو المصلحة في جهة معينة؛ لأنه"متى"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: المنثور 3/ 62 - 64؛ الفروق للقرافي 4/ 111 فما بعدها (الفرق 240) ؛ تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك 2/ 106؛ قواعد ابن رجب الحنبلي ص 348 (القاعدة 160) ؛ الموسوعة الفقهية 33/ 138.
[2] انظر: المنثور 3/ 64.
[3] انظر: تلقيح الأفهام: القاعدة الرابعة والخمسون تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّ.
[4] قد حكى الإجماع على ذلك الزركشي في المنثور 3/ 64.