قلتَ: ثنيتُ فلانًا عن طريقه, فإنه يصبح له طريقان؛ أحدهما لذهابه والآخر لعودته, وتكرر الطريق جاء بسبب العطف. وإذا قلتَ: ثنيتُ الثوب أو القماش, فإنه بدل أن كان طاقًا واحدًا أصبح طاقين, وتكرر طاقات الثوب جاء من عطفه, وهكذا.
وإذا رجعنا إلى الاستثناء الذي نحن بصدد الكلام عنه لنتبين اشتقاقه نجد أن ابن فارس ذكر أنه مشتق من المعنى الذي ذكره هو لمادة (الثني) وهو تكرير الشيء, وبين ذلك بقوله:
"ومعنى الاستثناء من قياس الباب, وذلك أن ذكره يثنَّى؛ مرة في الجملة ومرة في التفصيل؛ لأنك إذا قلت: خرج الناس. ففي الناس زيد وعمرو, فإذا قلت: إلا زيدًا. فقد ذكرت به زيدًا مرة أخرى ذكرًا ظاهرًا" [1] .
وذكر الأزهري أن اشتقاق الاستثناء من (الثني) بمعنى الكف والرد, وبين توجيه ذلك حيث قال:
"يقال: حلف فلان يمينًا ليس فيها ثُنْيا, ولا ثَنْوَى, ولا ثَنِيِّة, ولا مَثنَوِيَّة, ولا استثناء, كله واحد. وأصل هذا كله من الثَّنْي, وهو الكف والرد, لأن الحالف إذا قال: والله لا أفعل كذا وكذا إلا أن يشاء الله غيره. فقد رد ما قاله بمشيئة الله غيره" [2] .
وذكر القرافي أن الاستثناء مشتق من (الثني) بمعنى الرد كما ذكر الأزهري [3] , ووجَّه ذلك بتوجيه آخر فقال:
"اعلم أن الاستثناء مشتق من الثَّنْي, ووجه مشابهته به أن الذي يثني الثوب يُنْقِص في رأي العين مساحته, والمستثنِي ينقص كلامه بسبب الاستثناء عما كان عليه قبل الاستثناء, فهذا وجه الشبه" [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقاييس اللغة 1/ 392.
[2] تهذيب اللغة 15/ 140.
[3] انظر: الاستغناء في أحكام الاستثناء 90، 95.
[4] شرح تنقيح الفصول 242.