وإذا كان الحق حدًا من حدود الله تعالى فإنه يحتاط في درئه وإسقاطه لا في إثباته وإيجابه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. [1] فلو تزوج رجل امرأة بغير ولي ووطئها فلا يقام عليه الحد لشبهة العقد, وعليه مهر المثل. [2]
أما في حقوق العباد فالأصل براءة الذمة من حقوق الغير, فإذا تعلق الأمر بحق من حقوق العباد المبنية على المشاحة فيتأكد البقاء على أصل البراءة والمحافظة على حق العبد من الفوات ما أمكن, فإذا تردد الضمان بين النفي والثبوت مثلًا لم يجز إثباته احتياطًا؛ لأن فراغ الذمة ثابت بيقين. فلو وقع الشك في حصول الإتلاف أو الاستهلاك أو وقع الشك في المتلف أو المستهلك فلا يجب الضمان ولا الغرامة على من شك في إتلافه؛ لأن الضمان يستلزم يقين الفعل من الفاعل والشك ينافيه, سواء كان شكًا في الفاعل أو شكًا في سبب الهلاك, والضمان بالشك لا يجب. [3]
والقول بأن حقوق العباد لا يجوز ثبوتها ولا إيجابها بالاحتياط إنما هو في جانب القضاء, أما في جانب الديانة فيجوز العمل بالاحتياط في حقوق العباد, كما لو ادعى شخص على آخر دينًا أو حقًا بلا بينة ولا يتذكره المدعى عليه, ففي جانب القضاء لا يجب عليه شيء. أما الديانة فيجوز له إعطاء المدعي ما يظنه حقًا له, أو التصدق به عنه إن كان غائبًا أو مجهولًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 122، أشباه ابن نجيم ص 127، المنثور للزركشي 1/ 361، بدائع الصنائع 7/ 7، المغني لابن قدامة 5/ 54، المحلى لابن حزم 11/ 153، شرح الأزهار للمرتضى 4/ 240، شرح النيل وشفاء العليل لأطفيش 7/ 344.
[2] انظر: المبدع شرح المقنع 3/ 459.
[3] انظر بدائع الصنائع 7/ 294، 316، 325، البحر الرائق لابن نجيم 4/ 251، مجمع الضمانات للبغدادي 1/ 137، منح الجليل شرح مختصر خليل 7/ 26، المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي 1/ 361، الحاوي في فقه الشافعي للماوردي 17/ 257، المغني 8/ 317، الكافي لابن قدامة 4/ 113. المبدع شرح المقنع لابن مفلح 8/ 308.