وكما أن التمليك من المجهول لا يصح؛ لكون أحكام والتزامات التمليك لا تترتب في ذمة مجهول, فإن التملّك من المجهول لا يصح كذلك, فكل شيء لا يُعرف مالكه لا يجوز تملكه, كالدين الذي أقر به رجل قبل موته ولم يعرف صاحب الدين, فلا يجوز للورثة تملكه؛ لأن صاحبه مجهول.
فهذه القاعدة معقولة المعنى, فكل مال صاحبه مجهول لا يجوز تملكه. فاللقطة مثلا لا يحل لملتقطها أخذها على جهة التملك وتبقى على ملك صاحبها, فإذا عرفها سنة جاز له الانتفاع بها والتصرف فيها دون تملكها, فإذا تصرف فيها أو هلكت وجاء صاحبها يضمن له بدلها إن تعذر ردها. [1] فإذا كانت اللقطة شيئا يعلم أن صاحبها لا يطلبها, يجوز له الانتفاع بها من غير تعريف لكنها تبقى على ملك مالكها. [2]
وهذه القاعدة قد أكثر فقهاء الحنفية من ذكرها في مواضع كثيرة. قال السرخسي عن اللقطة:"ما يجده نوعان: أحدهما: ما يعلم أن مالكه لا يطلبه كقشور الرمان والنوى."
والثاني: ما يعلم أن مالكه يطلبه. فالنوع الأول له أن يأخذه وينتفع به إلا أن صاحبه إذا وجده في يده بعد ما جمعه كان له أن يأخذه منه؛ لأن إلقاء ذلك من صاحبه كان إباحة الانتفاع به للواحد ولم يكن تمليكا من غيره, فإن التمليك من المجهول لا يصح, وملك المبيح لا يزول بالإباحة ولكن للمباح له أن ينتفع به مع بقاء ملك المبيح" [3] "
والقاعدة ليست على إطلاقها عند جميع الفقهاء؛ إذ هناك خلاف في بعض الفروع ناشئ عن اختلاف سبب التمليك. فإذا كان سبب التمليك عقد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر تبيين الحقائق: 3/ 307، حاشية الدسوقي 4/ 121، مغني المحتاج 2/ 415، المغني لابن قدامة 6/ 326 - 330، المحلى لابن حزم 8/ 257، البحر الزخار 5/ 283، شرح النيل وشفاء العليل لأطفيش 12/ 197، القواعد الفقهية للبجنوردي 4/ 21.
[2] انظر الهداية 2/ 176، فتح القدير 6/ 122، البحر الرائق 5/ 165، حاشية ابن عابدين 4/ 467.
[3] المبسوط 11/ 2.