سواء كان تصرفا يتعدى ضرره إلى غيره أو لا يتعدى, ولا يُمنع من التصرف في ملكه ولو تضرر غيره, ولا يلزمه الضمان وإن تعدى ضرر تصرفه إلى ملك غيره, طالما كان تصرفه على الوجه المعتاد؛ لأن معنى الملك عندهم هو حرية التصرف, فتقييد هذه الحرية نقض لأصل الملكية, فلا يُدفع الضرر عن غير المالك بضرر المالك؛ لأن حرية تصرفه في ملكه تستند إلى حق, وتقييد حريته يلحق به ضررا, ولا يجب عليه تحمل الضرر لدفع الضرر عن غيره, والضرر لا يُزال بمثله [1] . وعلى ذلك فللمالك أن يبني, ويهدم في ملكه ما يشاء من نوافذ, أو جدران, وله أن يؤجر بناءه لمن يشاء, وإن كان يتأذى به جاره, وليس لجاره أن يمنعه, ولو تصرف المالك في ملكه تصرفا أدى إلى أن يوهن بناء جاره مثلا أو سقوط حائطه, فلا يضمن؛ لأنه لم يتعد على ملك الغير [2] . وهو قول الزيدية [3] و الإباضية [4] و الجعفرية [5] .
فحق الملكية عندهم حق مطلق, ويتقيد هذا الحق عند وجود عارض من تعلق حق الآخرين به, فإذا تعلق حق الغير به يُمنع المالك من تصرفه على وجه الاستقلال. فمن كان يسكن في الطابق العلوي مثلا وأراد أن يبني في ملكه بناء أو يهدم جدارا, وفعله هذا يؤثر في ملك من يسكن في الطابق السفلي, فإنه يُمنع من هذا التصرف إلا بإذن الجار؛ لأن الأصل في تصرفات المالك في ملكه التي يتعلق بها حق الغير هو المنع والحظر؛ لأن ملكه في هذه الحالة ليس خالصا,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: مغني المحتاج 3/ 500، نهاية المحتاج للرملي 5/ 337، نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي لفتحي الدريني ص 130، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي لحسين حامد حسان 1/ 422.
[2] انظر: بدائع الصنائع: 6/ 264، القواعد الفقهية عند الإمامية ص 136.
[3] انظر: التاج المذهب في أحكام المذهب 4/ 359، البحر الزخار للمرتضى 5/ 18، شرح الأزهار 2/ 431.
[4] انظر: الروض النضير للسياغي 4/ 90، 91.
[5] انظر: القواعد الفقهية عند الإمامية ص 136، القواعد الفقهية للشيرازي 1/ 103، 2/ 30، مئة قاعدة فقهية للمصطفوي ص 52، منية الطالب في حاشية المكاسب ص 224.