ويجوز التصرف في ملك المنافع بغير البيع قبل القبض, فمن استأجر عينًا يجوز له إيجارها لآخر قبل قبضها. [1] وكذلك يجوز التصرف في جميع الأمانات للمالك قبل قبضها, كالوديعة في يد الوديع ومال الشركة ومال القراض والمرهون بعد انفكاكه والمال الباقي في يد الولي بعد بلوغ المولى عليه رشده؛ لأن الملك فيها تام, ولأن عين المال مقدور على تسليمها لا يخشى انفساخ الملك فيها, فجاز لمالكها التصرف فيها كما لو كانت في يده. [2]
والقاعدة كما سبق مختلف فيها, وقد حاول الإمام الشوكاني -رحمه الله- أن يوفق بين الأقوال المختلفة للفقهاء فيما يجوز وما لا يجوز من التصرفات قبل القبض, ووضع ما يمكن أن نعتبره ضابطًا لذلك, فقال:"والأولى الجمع بإلحاق التصرفات بعوض بالبيع, فيكون فعلها قبل القبض غير جائز, وإلحاق التصرفات التي لا عوض فيها بالهبة المذكورة وهذا هو الراجح" [3] أي إن ما كان من قبيل المعاوضات فلا يصح التصرف فيه قبل القبض, وما كان من التبرعات فيجوز التصرف فيه قبل القبض.
والقاعدة مجالها واسع جدًا, فيشمل بعض العبادات كالزكاة والصدقة والكفارات والنذر. ويشمل كذلك المعاملات, كعقود المعاوضات وعقود التبرعات, وكل ما كان سببا للملك. وتبرز أهمية القاعدة في هذا العصر خاصة في العقود المالية المستحدثة والتجارة الإلكترونية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4/ 7؛ المهذب 1/ 403؛ المغني: 4/ 87، 5/ 478. وقيد الحنفية ذلك بالعقار دون المنقول. انظر الفتاوى الهندية 4/ 425.
[2] انظر تحفة المحتاج للهيتمي 4/ 403، المغني 4/ 87، 88.
[3] نيل الأوطار 5/ 189.