فهرس الكتاب

الصفحة 806 من 19081

والمعنى: أن الفقه يتضمن الجمع بين مسألتين تكون إحداهما معلومة الحكم, والأخرى مجهولة الحكم, فيؤخذ حكم المجهولة من المعلومة. كما أنه يتضمن الفرق, وهو الفرق بين مسألتين يظهر بينهما قدر من الشبه, لكنْ بينهما فرق يؤدي إلى الفرق بينهما في الحكم, ومن ذلك الفرق بين القاعدة والمسألة المستثناة منها.

وإذا كان الاستثناء نوعًا من الفقه فإنه يجري فيه ما يجري في الفقه من اتفاق وخلاف. فكما أن أصحاب المذاهب الفقهية قد يتفقون في أحكام المسائل الفقهية وقد يختلفون, فهم قد يتفقون في اعتبار مسألة من المسائل مستثناة من القاعدة, وقد يختلفون في هذا الاستثناء. وتبعًا لذلك نقول: إنه يمكن تقسيم المستثنيات باعتبار الاتفاق عليها وعدمه إلى نوعين:

النوع الأول: مسائل متفق على اعتبارها مستثناة من قواعدها.

والغالب فيما كان من المستثنيات محل اتفاق أن يكون الاستثناء فيه مستندًا إلى نص شرعي أو إجماع أو إليهما معًا.

ومن أمثلة هذا النوع المثال الآتي: من القواعد الفقهية قاعدة (الإنسان لا يكون ضامنًا لفعل غيره [1] . ومعناها أن الشخص إذا تصرف تصرفًا يترتب عليه ضمان, فإن أي إنسان سواه لا يكون مسؤولًا عن ضمان فعله, بل إن هذا الشخص يكون هو المسؤول عن فعل نفسه. ومما يتصور دخوله فيها: إذا صدر من إنسان فعلٌ هو عبارة عن قتلٍ خطأ, وترتب عليه دية, فإن تخريج هذه المسألة على هذه القاعدة يقتضي أن يقال: إن هذا القاتل هو المسؤول عن ضمان هذا الفعل, والمتمثل في دفع الدية, لكن هذه المسألة مستثناة من هذه القاعدة, حيث إن الضمان في هذه المسألة يثبت على العاقلة [2] لا على القاتل, فصارت العاقلة ضامنة لفعل غيرها؛ واستثناء هذه المسألة من القاعدة محل اتفاق بين العلماء, وسبب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: جمهرة القواعد الفقهية 2/ 890. وانظر: الأشباه والنظائر لابن السبكي 2/ 303.

[2] العاقلة: جمع مفرده عاقل، والعاقل هو دافع الدية من أقارب الجاني. انظر: المصباح المنير 423.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت