قيل: هذا قياس فاسد؛ لأن الدفع في هذه الصور تبرع محض, لم يعاوَض عليه, والشارع قد منعه منه؛ لتعلق حق غيره به, أو حق نفسه المقدمة على غيره, وأما فيما نحن فيه: فهو قد عاوض بماله على استيفاء منفعة, أو استهلاك عين محرمة, فقد قبض عوضًا محرمًا, وأقبض مالًا محرمًا, فاستوفى ما لا يجوز استيفاؤه, وبذل فيه ما لا يجوز بذله, فالقابض قبض مالًا محرمًا, والدافع استوفى عوضًا محرمًا, وقضية العدل ترادّ العوضين, لكن قد تعذر رد أحدهما, فلا يوجب رد الآخر من غير رجوع عوضه, نعم لو كان الخمر قائمًا بعينه لم يستهلكه, أو دفع إليها المال ولم يفجر بها: وجب رد المال في الصورتين قطعًا, كما في سائر العقود الباطلة, إذا لم يتصل بها القبض" [1] ."
وأما المال المحرم لذاته؛ كالخمور والخنازير فيتعين على من هو بيده التخلص منه بإتلافه, ولا يجوز التصدق به, ولا صرفه في مصالح المسلمين.
والقاعدة اتفق على العمل بها جمهور الفقهاء [2] , ونقل عن الإمام الشافعي رحمه الله أن المال الحرام لا يتصدق به, بل يسلم للإمام أو نائبه؛ كسائر الأموال الضائعة, ويكون"الأمر فيها إلى رأي الإمام, إن رأى حفظها إلى ظهور مالكها فعل, أو بيعَها, وحفظَ ثمنها فعل, أو إعطاءها لمن يعمرها على وجه الارتفاق, دون الملك فعل, فإن لم يرج معرفة مالكها فمصرفها بيت المال" [3] ؛ قال ابن المنذر:"أجمع العلماء أن الغال [4] عليه أن يرد ما غل إلى صاحب المقاسم, ما لم يفترق الناس, واختلفوا فيما يفعل بعد ذلك إذا افترق الناس, فقالت طائفة: يدفع إلى الإمام خمسه, ويتصدق بالباقي- عن مستحقه-"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] زاد المعاد 5/ 780.
[2] انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 29/ 321، جامع العلوم والحكم لابن رجب 1/ 267.
[3] حاشية الغرر البهية شرح البهجة الوردية 3/ 352.
[4] الغالُّ هو الذي يأخذ شيئا من الغنيمة قبل القسمة، وهو من الغلول - بضم الغين المعجمة: أي الخيانة، وغلب استعماله في الشرع على الخيانة في الغنيمة.