وكما تملك هذه الأشياء المباحة الباقية على أصل الخلقة, تملك كذلك الأرض نفسها وهي الأرض الموات التي لا مالك لها, وهو ما يعبر عنه في كتب الفقه بإحياء الموات. وعقد له الفقهاء في كتبهم بابًا خاصًا به, ذكروا فيه أحكامه التفصيلية.
ومع أن الأرض لا تملك بالإحراز بل بالإحياء وهو بناؤها بالفعل أو إعدادها للزراعة على ما جرت به العادة, إلا أن معنى الإحراز في القاعدة أعم من مدلوله اللغوي, فيشمل الاستيلاء ووضع اليد وغير ذلك, وعليه فإن تملك الأرض بالإحياء يكون داخلًا في مضمون القاعدة.
وبما أن الدين قد حرم الضرر في كل شيء فلا يجوز تملك المباح إلا بشرط عدم الإضرار بالآخرين, فلا يجوز الأخذ زيادة عن الحاجة, لئلا يضيق على الآخرين. فإذا كان النهر يمر على عدة بلاد لم يجز لأهل البلدة الأولى أن يأخذوا من مائه ما زاد عن حاجتهم أو أن يحولوا مجراه إلى بلادهم ليمنعوا مَنْ بعدهم من حقهم فيه, ولذا"اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز إحياء حريم المعمور, وأنه لا يملك بالإحياء. وكذلك حريم البئر المحفورة في الموات وحريم النهر [1] ".
هذا ولا فرق بين أن يكون المباح في بلاد المسلمين أو في بلاد الكفار ولا بين أن يكون المتملك له مسلمًا أو كافرًا, لأن ما كان الأصل فيه الإباحة لا فرق فيه بين مسلم وكافر. وعلى ذلك قالوا:"المباحات في دار الحرب يملكها من أخذها ويختص بها" [2] بعبارة أخرى:"كل ما كان مباحًا في بلاد العدو ولا يملكه أحد منهم فأخذه جائز" [3] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموسوعة الفقهية الكويتية (2/ 379) .
[2] انظر الإعلام لأبي الوفا 7/ 104 نقلا عن ابن جماعة.
[3] التاج والإكليل للمواق 4/ 550.