وقبل ذكر أنواع المستثنيات من القواعد, وبيان حكمها من جهة جواز القياس عليها وعدمه, يظهر أن من المناسب تقديم مدخل لحكم القياس على ما عُدِل به عن سنن القياس, فيقال: المعدول به عن سنن القياس, أو المستثنى من قاعدة القياس, عند النظر إلى ظهور قصد التخصيص فيه وعدمه يتبين أنه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما ظهر من نصوص الشرع قصدُ تخصيص المعدول به أو المستثنى بحكمه, فهذا لا يقاس عليه غيره؛ لأنه قد فُهِم من نصوص الشرع قصدُ تخصيص المستثنى بحكمه, والقياس يؤدي إلى إبطال التخصيص [1] .
ومن أمثلة هذا القسم: تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الأحكام, كما في قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] فهذا الحكمُ - وهو إباحة نكاح النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي تهب نفسها له بدون مهر - حكمٌ مستثنى من حكم عام, وهو أنه لا بد لصحة النكاح من المهر, ولا بد من تزويج ولي المرأة لها, وهذا الحكم المستثنى خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى في الآية: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} فلا يقاس على النبي صلى الله عليه وسلم غيرُه في هذا الحكم [2] .
القسم الثاني: ما لم يظهر من نصوص الشرع قصدُ تخصيص المعدول أو المستثنى بحكمه. وهذا القسم يتنوع إلى نوعين:
النوع الأول: ما لم يظهر لاستثنائه معنى, أي أنه لم تظهر علة استثنائه.
النوع الثاني: ما ظهر لاستثنائه معنى, أي أنه قد ظهرت علة استثنائه [3] .
وحكم القياس على المستثنيات من القواعد الفقهية يظهر من معرفة حكم القياس في هذين النوعين؛ وقد تبين مما سبق أن المستثنيات من القواعد الفقهية باعتبار معقولية المعنى وعدمه تنقسم إلى نوعين, وفيما يأتي بيان لهذين النوعين, مع بيان حكم كل نوع من خلال ما ذكره الأصوليون في النوع الذي يقابله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: البحر المحيط 5/ 98.
[2] انظر: المستصفى 2/ 327.
[3] انظر: لباب المحصول لابن رشيق المالكي 665، 666.