حالة ثانية: يضمن فيها غير الإنسان ما باشر هو إتلافه من ملكه كما لو قال له شخص: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه. وصور هذه الحالة إنما يتعين فيها ضمان غير المالك لأنه غارّ للمالك فهو في حكم المتلف وإن لم يباشر الإتلاف.
وبالجملة فالقاعدة محل اتفاق بين جمهور الفقهاء. نعم حكى ابن قدامة روايتين داخل المذهب الحنبلي فيما وقع خطأً من جناية المرء على نفسه, أو على أطرافه:
الرواية الأولى للحنابلة: أن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه, أو أرش جرحه لنفسه إذا كان أكثر من الثلث [1] . ووافقهم فيها الأوزاعي , و إسحاق [2] .
الرواية الثانية للحنابلة: - وهي الأصح عندهم - جنايته هدر جريًا على القاعدة. ووافقهم فيها أكثر أهل العلم, منهم: ربيعة , و مالك , و الثوري و الشافعي , و أصحاب الرأي.
واختلفوا كذلك في شبه العمد هل يلحق بالخطأ أم لا؟ أما العمد فلم يحك خلافًا في اعتباره هدرًا [3] .
وينبغي التنبيه إلى أن كون جناية الإنسان على نفسه هدرا إنما هو باعتبار إناطة الأحكام الشرعية الظاهرة بها لا من حيث نفي الإثم عن مرتكبها إذا وقعت منه عمدا, كما هو صريح قول ابن دقيق العيد:"جناية الإنسان علي نفسه كجنايته على غيره في الإثم [4] ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] واستدلوا لها بأن رجلًا ساق حمارًا فضربه بعصا كانت معه، فطارت منها شظية، فأصابت عينه ففقأتها فجعل عمر ديته على عاقلته. وقال: هي يد من أيدي المسلمين، لم يصبها اعتداء على أحد ولم يعرف له مخالف في عصره، وبأنها جناية خطأ، فكان عقلها على عاقلته، كما لو قتل غيره. انظر: المغني لابن قدامة 8/ 303.
[2] ووافقهم كذلك ابن حزم، انظر: المحلى بالآثار 10/ 503.
[3] انظر: تفصيل هذا الخلاف في المغني لابن قدامة 8/ 303.
[4] إحكام الأحكام لابن دقيق العيد 4/ 150.