والثالث: عقود مزدوجة الأثر, تنشئ الضمان من وجه, والأمانة من وجه؛ كعقد الإجارة, والصلح عن مال بمنفعة ونحوهما. فإذا كان المعقود عليه في الإجارة هو المنفعة؛ كإجارة الدور للسكنى والدواب للركوب أو نحوهما, فيفرق في الضمان بين العين المأجورة, وبين المنفعة المعقود عليها؛ فمن استأجر سيارة فإنها تكون أمانة في يد المستأجر, حتى لو عطبت, وهي في يده بغير تفريط, ولا تقصير فلا ضمان عليه؛ لأن العين أمانة في يده, أما المنفعة المعقود عليها, وهي: الركوب فهي مضمونة, ببدلها على المستأجر بمجرد تمكنه من استيفائها, سواء أكانت الإجارة صحيحة أم فاسدة.
ومناط التمييز بين عقود الضمان وعقود الأمانة يدور مع المعاوضة؛ فكلما كان في العقد معاوضة كان عقد ضمان, وكلما كان القصد من العقد غير المعاوضة, كالحفظ ونحوه, كان العقد عقد أمانة [1] .
ومن الفقهاء من جعل الضابط في ذلك هو أن"كل من أخذ العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق فإنها مضمونة عليه" [2] فالعين في يد المودع أمانة؛ لأنه أخذها لمنفعة المالك, وفي يد المستعير مضمونة؛ لأنه أخذها لمنفعة نفسه, وفي يد المستأجر أمانة؛ لأنه أخذها لمنفعة نفسه لكن باستحقاق؛ لأنه بذل العوض على المنفعة التي يستفيد منها.
ومعنى القاعدة: أن"العقد الصحيح إذا كان موجبًا للضمان فالفاسد كذلك, وإذا لم يكن الصحيح موجبًا للضمان فالفاسد كذلك, فالبيع والإجارة والنكاح موجبة للضمان مع الصحة فكذلك مع الفساد, والأمانات كالمضاربة"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: المدخل الفقهي العام للزرقا 1/ 642، نظرية الضمان لمحمد فوزي فيض الله ص 26، نظرية الضمان للزحيلي ص 145.
[2] المنثور للزركشي 1/ 209.