وهذا التفريق بالتفصيل المذكور وإن اختص به الحنفية, إلا أن الأصل الذي بُني عليه محل اتفاق بين الفقهاء, وهو أن"الإكراه ضرورة" [1] , ويشترط في الضرورة التي تبيح المحظور: أن تكون المفسدة في المحظور الذي يقدم عليه أنقص من المفسدة الحاصلة في حالة الضرورة, قال السبكي:"الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها" [2] , وبناء على ذلك قرر الفقهاء أن"تعاطي ما أكره عليه الشخص راجع إلى قاعدة اجتماع المفاسد, أنه يدفع الأعظم منها باحتمال الأخف" [3] , وذلك"يختلف باختلاف الأشخاص, والأفعال المطلوبة, والأمور المخوف بها فقد يكون الشيء إكراها في شيء دون غيره, وفي حق شخص دون آخر" [4] , وعليه فالإكراه على إتلاف مال الغير ظلما إنما يجوز إذا كان الإكراه بشيء أعظم من المال المتلف, لا إن كان بإتلاف لمالِ المكره بقدر ذلك المال, أو يزيد عليه زيادة قريبة؛ لأنه يكون قد وقى ماله بمال الغير [5] .
والقاعدة محل إعمال عند جمهور الفقهاء من حيث الجملة, فالمذهب عند الحنفية هو أن الضمان يجب على المكرِه وحده [6] , لكن إن طولب المكرَه و غَرِم رجع على المكرِه بما غرم [7] , وهو مذهب الشافعية, إلا أن لهم وجهين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الجوهرة النيرة للحدادي 2/ 255، المحلى لابن حزم 7/ 204.
[2] الأشباه والنظائر للسبكي 1/ 45، الأشباه والنظائر للسيوطي ص: 84. وانظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص: 73، ترتيب اللآلئ لناظر زادة 2/ 806، درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية 1/ 38، شرح الكوكب المنير لابن النجار ص: 598.
[3] المجموع المذهب للعلائي 1/ 413. بتصرف يسير.
[4] المجموع المذهب للعلائي 1/ 407، الأشباه والنظائر للسيوطي ص: 209. وانظر: أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 3/ 283، مغني المحتاج للخطيب الشربيني 4/ 471.
[5] المجموع المذهب للعلائي 1/ 414، القواعد للحصني 2/ 316.
[6] انظر: الهداية للمرغيناني 3/ 274، مجمع الأنهر لشيخي زادة 2/ 433، مجمع الضمانات للبغدادي ص: 205، اللباب في شرح الكتاب للميداني 4/ 111.