ومعنى القاعدة: أن القصد الباطن الذي يؤثر في فساد العقد وصحته إذا لم يكن متضمَّنًا في صيغة العقد فلا تأثير له في إبطال العقد؛ إذ العبرة في العقود بظواهرها, فإذا كان العقد مستوفيًا لشروطه وأركانه الظاهرة, وكان سليمًا من المفسدات, فلا يبحث عن النية الباطنة, ولو حُفَّ العقد بما يدلُّ عليها من قرائن وملابسات, فلا يبطل البيع لمن يعلم أنه قد يستخدم المبيع في أمر محرم, مادام أن المشتري لم يصرح بذلك, وإن كان المشتري يأثم بنيته؛ وذلك لأن استخدام المبيع في أمر محرم ليس من مستلزمات العقد, ولعل المشتري لا يستعمل ذلك الشيء في المحرم؛ قال الشافعي:"إنه لا يَفسد عقد أبدًا إلا بالعقد نفسه, لا يفسد بشيء تقدمه, ولا تأخره, ولا بتوهم, ولا بأغلب, وكذلك كل شيء لا نفسده إلا بعقده, ولا نفسد البيوع بأن يقول هذه ذريعة, وهذه نية سوء, ... ألا ترى أن رجلًا لو اشترى سيفًا, ونوى بشرائه أن يقتل به, كان الشراء حلالًا, وكانت النية بالقتل غير جائزة, ولم يبطل بها البيع, وكذلك لو باع البائع سيفًا من رجل يراه أنه يقتل به رجلا كان هكذا" [1] .
وهذا الحكم يتعلق بالعقد من حيث الصحة والفساد, أما من حيث الحكم التكليفي فلا خلاف بين الفقهاء في أن مدار حِلِّ الفعل وحرمته هو القصد؛ إذ"النية رأس الأمر وعموده, وأساسه وأصله الذي عليه يبنى؛ فإنها روح العمل وقائده وسائقه, والعمل تابع لها يبنى عليها" [2] , وعليه فمن نظر إلى الأجنبية بقصد الخطبة والنكاح, جاز له ذلك, ومن نظر إليها بقصد التشهي حرم عليه, وكذلك العقود تؤثر فيها النية الباطنة من حيث الجملة, فيحرم بيع الشيء لمن يعلم أنه يعصي الله تعالى به, فإن شك في ذلك أو توهمه منه فالبيع له مكروه,"وإنما حرم أو كره؛ لأنه سبب لمعصية محققة أو مظنونة, أو لمعصية مشكوك"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الأم للشافعي 7/ 312 - 313.
[2] إعلام الموقعين لابن القيم 4/ 152.