ومعنى القاعدة: أن وجود الغرر في عقد من العقود يمنع صحة العقد, ويبطله, ويجعل وجوده كعدمه؛ فلا يترتب عليه أثر من آثار العقد, من نقل الملكية, وإباحة المنفعة, وغير ذلك من الحقوق المترتبة عليه, سواء أكان الغرر في العوض أو المعوض أو الأجل أو غير ذلك من متعلقات العقد. فمن عقد على شيء مجهول في أصله؛ يحتمل الوجود والعدم, كبيع الثمار قبل أن تخلق, وبيع الطير في الهواء قبل أن يصطاد, أو عقد على شيء لا يعرف صفته أو جنسه أو قدره؛ كأن يعقد على سيارة مجهولة لا يعلم نوعها, فعقده باطل؛ لأن ذلك يفضي إلى النزاع والشحناء,"وكل عقد يؤدي إلى النزاع فهو فاسد" [1] , وخاصة في المعاوضات, وذلك لأن الأصل فيها"هو التعادل من الجانبين, فإن اشتمل أحدهما على غرر أو ربا, دخلها الظلم, فحرمها الله الذي حرم الظلم على نفسه, وجعله محرما على عباده" [2] . ثم إنه"يلحق بمعنى إضاعة المال؛ لأنه قد لا يحصل المبيع فيكون بذل ماله باطلا" [3] .
والغرر مفهومه واسع يشتمل على صور كثيرة؛ قال الإمام النووي:"وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع, ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة: كبيع الآبق, والمعدوم, والمجهول, وما لا يقدر على تسليمه, وما لم يتم ملك البائع عليه, وبيع السمك في الماء الكثير, واللبن في الضرع, وبيع الحمل في البطن, وبيع بعض الصبرة مبهما, وبيع ثوب من أثواب, وشاة من شياه, ونظائر هذا, وكل هذا باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة" [4] . وقد اهتم الفقهاء وخاصة المالكية بضبط هذه الصور وذكر أصولها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية لعلي حيدر 1/ 178.
[2] مجموع فتاوى ابن تيمية 29/ 107.
[3] المعلم بفوائد صحيح الإمام مسلم 2/ 243.
[4] شرح النووي على صحيح مسلم 10/ 156، 157.