وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية إلى أنها لا تسقط بالموت قبل تسليمها, ويجب أداؤها من التركة, سواء أوصى بها الميت أم لا, على خلاف بينهم في تفاصيل ذلك؛ فالمقرر عند المالكية: أن حقوق الله تعالى من الزكوات والكفارات والنذور متى أشهد في صحته بها أخرجت من رأس المال بعد ديون العباد, سواء أوصى بإخراجها أم لا, فإن أوصى بها ولم يشهد فتخرج من الثلث [1] . وأما الشافعية والحنابلة والظاهرية فحقوق الله عندهم تخرج من رأس المال, وهي تقدم على حقوق العباد عند الشافعية [2] والظاهرية [3] . وأما الحنابلة فالحقان متساويان عندهم [4] .
والقاعدة لم ترد بنصها إلا عند الحنفية, وهي مطردة عندهم في العبادات والمعاملات, فلو مات الواهب قبل القبض فإن الهبة تبطل عندهم [5] , ووافقهم على ذلك المالكية في المعاملات, وذلك لأن تمام التبرع بالقبض؛ فإذا مات قبله بطل؛ كما صرح بذلك الحطاب فقال:"الالتزام إذا لم يكن على وجه المعاوضة فلا يتم إلا بالحيازة, ويبطل بالموت" [6] . وذهب ابن حزم إلى أن من تلفظ بالهبة أو الصدقة أو غيرهما فقد عقد عقدا لزمه الوفاء به, ولا يفتقر لزومه إلى القبض, ولا يبطل بموت الواهب, أو المتصدق, أو الموهوب له, أو المتصدق عليه [7] , وهو مذهب الشافعية والحنابلة في المعتمد عندهم على ذلك؛ فنصوا في الهبة على أنها لا تبطل بالموت, ويقوم وارث الواهب مقامه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: شرح الخرشي على خليل 8/ 197 - 198، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/ 458، حاشية الصاوي على الشرح الصغير 4/ 618، منح الجليل لعليش 9/ 597.
[2] انظر: المجموع للنووي 6/ 226، مغني المحتاج للشربيني 2/ 126.
[3] انظر: المحلى 4/ 201،420، 6/ 483.
[4] انظر: المجموع للنووي 6/ 226، كشاف القناع للبهوتي 2/ 182.
[5] انظر: الجوهرة النيرة للحدادي 1/ 325.
[6] تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب ص: 69، فتح العلي المالك 1/ 218.
[7] انظر: المحلى 8/ 62 - 71.