فهرس الكتاب

الصفحة 8968 من 19081

الثاني: الصلات التي يوجبها الشرع على المكلف؛ كنفقات الأقارب.

فأما الأول وهو ما أوجبه الإنسان على نفسه من الهبة والصدقة والوقف ونحوها فسقوطها بالموت قبل القبض ظاهر؛ وذلك لأنه متبرع, و"التبرع لا يلزم قبل اتصاله بالقبض" [1] ؛ ولأنه محسن, و"ما على المحسنين من سبيل" [2] .

وأما الثاني: وهو الصلات التي تجب بإلزام من الشارع؛ كالزكاة وصدقة الفطر ونحوهما فسقوطها بالموت قبل تسليمها محل خلاف بين الفقهاء, فذهب الحنفية إلى أنها تسقط بالموت, فمن مات وعليه شيء من الزكاة أو غيرها لا تؤخذ من تركته ولا يؤمر الوصي أو الوارث بأدائه منها؛ كما قال الكاساني:"الزكاة وجبت بطريق الصلة؛ إذ لا يقابلها عوض مالي, والصلات تسقط بالموت قبل التسليم" [3] ؛ ولأنها من العبادات, ومعنى العبادة لا يتحقق إلا بنية وفعل ممن يجب عليه حقيقة أو حكما, فهي لا تتأدى إلا باختيار من عليه إما بمباشرته بنفسه, أو بأمره, أو إنابته غيره فيقوم النائب مقامه فيصير مؤديا بيد النائب, فلو جُعل الوارث نائبا عن الميت من غير إنابته لكان ذلك إنابة جبرية, والجبر ينافي العبادة؛ إذ العبادة فعل يأتيه العبد باختياره, فإذا أوصى فقد أناب, ويكون الإيصاء بأدائها تبرعا, فيعتبر كسائر التبرعات من الثلث, وإذا لم يوصِ بفعلها بعد موته فقد فات الشرط بموته, فلا يتصور بقاء الواجب, فيسقط في حق أحكام الدنيا للتعذر [4] . وأما في أحكام الآخرة فإنه يؤاخذ بالتفريط في أداء ما وجب عليه بعد التمكن منه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 3/ 404.

[2] القاعدة نص آية من سورة التوبة: الآية: 91. وانظرها في: أحكام القرآن للجصاص 3/ 211 - 212، تفسير القرطبي 8/ 227، بدائع الصنائع 6/ 217، مجموع فتاوى ابن تيمية 28/ 285، المحلى لابن حزم 3/ 70. وانظرها بلفظها في قسم القواعد الفقهية.

[3] بدائع الصنائع للكاساني 2/ 53.

[4] انظر: المبسوط 2/ 186، بدائع الصنائع 2/ 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت