فهرس الكتاب

الصفحة 8982 من 19081

وإذا استبدل الناس صيغا أخرى بهذه الصيغ وتعارفوا عليها, فهل يصح استعمال تلك الصيغ المستحدثة؛ لأن القصد من الصيغة مدلولها, أم لا بد من التقيد بالألفاظ المخصصة للعقد, ولا يصح العقد إلا بها؟ فتفيد القاعدة أن المعتبر في ذلك هو القصد والمعنى الذي يدل عليه جملة كلام العاقد بسياقه وقرائنه, دون مجرد الألفاظ؛ لأن المعنى هو المقصود الحقيقي, والألفاظ إنما هي قوالب للمعاني, ووسيلة للتعبير عنها, وطريق للإفصاح عن القصد, والكشف عن المراد, والعبرة بالمقصود, لا بوسيلته الدالة عليه الكاشفة عنه؛ فالبيع ينعقد بكل لفظ يدل على ملك الأعيان بعوض, وعرف المتعاقدان مقصوده, فلو أخذ أحد شيئًا من البائع, وأعطاه مالًا, وقال له: امسك هذا المال عندك كان بيعا, وإذا قال شخص لآخر: وهبت لك هذه السيارة بألف, كان هذا عقد بيع, ولا يمنع من ذلك التعبير بلفظ"وهبت", الذي هو صريح في الهبة؛ لأن العبرة للقصد والمعنى, وكذلك الإجارة تنعقد بكل ما يدل على ملك المنافع بعوض, والهبة تنعقد بكل ما يدل على ملك العين بلا عوض, وهكذا الحكم في جميع العقود, إذا ظهر القصد كان الاعتبار له, ويقيد اللفظ به, ويرتب الحكم بناء عليه, ولا يضر تنوع العبارات إذا عرف المعنى المقصود.

واعتبار القصد وتقديمه على اللفظ في العقود ليس على إطلاقه, بل هو مقيد بمطابقته للمعاني المستفادة من جملة الكلام بسياقه وقرائنه, والأحوال المصاحبة للعقد أو السابقة له, ولذلك ورد التنصيص على المقاصد مقرونا بالمعاني في صيغة القاعدة وبعض الصيغ الأخرى, وبناء على ذلك إذا اختلف القصد والمعنى, ولم يتحدا كان الحكم للمعنى على القصد؛ كما في إيداع المال في البنوك وصناديق التوفير باسم الودائع تحت الطلب فإن حكمه حكم القرض, ومجرد اسم الوديعة, وقصد المودِع إيداع ماله في البنك لحفظه, لا يغير من حقيقته؛ إذ لو كان هذا المال وديعة حسب المصطلح الشرعي, لما جاز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت