فهرس الكتاب
للبنوك استثمار الوديعة, ولا استغلالها؛ لأن الوديعة لا يسوغ التصرف فيها, والوديع يعتبر أمينا لا ضمان عليه عند تلف الأمانة بدون تعد منه, ولكنه من المعلوم أن البنوك تستثمر الودائع في تمويلات تقدمها إلى عملائها وتتصرف فيها, وتضمنها, وترد مثلها عند الطلب, وبذلك يكتسب هذا الإيداع حكم القرض, ولا يغير من حقيقة الحكم قصد ما يخالف الواقع؛ إذ العبرة للمعنى.
وإدراك المعاني والحكم بها لا يكون إلا بوجود قرينة تدل عليها, سواء أكانت قرينة لفظية تصرف اللفظ عن ظاهره, وتُكسبه حكم عقد آخر, كما إذا شرطا براءة الأصيل في الكفالة, فتكون حوالة؛ بقرينة براءة الأصيل, أو كانت قرينة عرفية تفسر اللفظ وتحمله على غير حقيقته, فقد صرح الفقهاء بأن"الحقيقة تترك بدلالة العادة" [1] , وأن"كل متكلم له عرف يحمل لفظه على عرفه في الشرعيات والمعاملات والإقرارات وسائر التصرفات" [2] , ولا يحمل على المعهود شرعا أو لغة, ومن ذلك ما ذكره الفقهاء من انعقاد بعض العقود بألفاظ غير الألفاظ الموضوعة لها مما يفيد معنى تلك العقود في العرف, كانعقاد البيع والشراء بلفظ الأخذ والإعطاء, وكذا انعقاد شراء الثمار على الأشجار بلفظ الضمان في عرف أهل الشام [3] , وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"تنعقد العقود بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل, فكل ما عده الناس بيعا أو إجارة فهو بيع وإجارة, وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال" [4] .
ولهذه القاعدة تأثير كبير في تصحيح بعض العقود, وفي إصلاح بعض فسادها إذا أمكن تحويلها إلى عقد آخر صحيح عن طريق اعتبار المعنى, ومن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المجلة العدلية م/40، درر الحكام لعلي حيدر 1/ 48، شرح القواعد الفقهية للزرقا ص 231.
[2] الذخيرة للقرافي 4/ 22.
[3] انظر: شرح القواعد الفقهية للزرقا ص 55.
[4] مجموع الفتاوى لابن تيمية 29/ 7.