"الأصل صحة المعاملة, إلا أن يغلب الفساد فيكون هو الأصل حينئذ" [1] , وهو ما قرره التسولي أيضا بقوله:"إذا غلب في زمان أن الجعل والمزارعة والمغارسة والرهن والشركة وبيع الثمار لا يقع إلا على الوجه الفاسد, فإنه يترجح قول مدعيه على مدعي الصحة؛ لأنه الغالب" [2] .
وهذه القاعدة متفرعة عن القاعدة العامة الكبرى:"أمور المسلمين محمولة على الصحة والسداد ما أمكن" [3] . وهي محل اتفاق بين الفقهاء في أصلها, ولكن قد يختلف الفقهاء في كثير من مسائلها, بسبب اختلافهم في الترجيح عند تعارض القاعدة مع ظاهر أو أصل آخر.
ومما ينبغي التنبه له أن بعض الفقهاء قد يستخدم الصحة بمعنى الإباحة والجواز, وهذا المعنى منبثق من الأصل العام"الأصل في الأشياء الإباحة" [4] , أو"الحل هو الأصل في الأشياء" [5] , وهو يخص ما يعرف بحرية التعاقد, وأن للناس أن يعقدوا من العقود ما يرون, وكيفما يشاؤون إذا لم يتصادم مع دليل شرعي من الكتاب, أو السنة, أو الإجماع, أو القياس, ولم يشتمل على مفسدة راجحة؛ لأن الأصل في العقود المسكوت عنها الإباحة والحل, فهي تدل على أن العقد إذا لم يرد عن الشارع ما يدل على تحريمه فهو صحيح جائز, بخلاف قاعدة"الأصل حمل العقود على الصحة", فمعناها أن العقد بعد ثبوت مشروعيته في الأصل, وكونه من العقود المقبولة والمعتبرة, إذا وقع النزاع في وقوعه على وجه الصحة باستيفاء شروطه وأركانه أو الفساد بإخلال في أسسه وبنيانه, ولا مرجح لأحد الأمرين؛ فإنه يحمل على الصحة. وقد أورد هذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الدليل الماهر للولاتي ص: 232.
[2] البهجة في شرح التحفة للتسولي 2/ 91 بتصرف.
[3] بدائع الصنائع للكاساني 5/ 217.
[4] التلويح على التوضيح للتفتازاني 2/ 29، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 60، وموسوعة القواعد المالية للندوي 1/ 390.
[5] فتح القدير لابن الهمام 7/ 3.