وأما الصحة في العقود , فهي ترتب الأثر المقصود من العقد عليه, فالبيع الصحيح هو الذي ينقل ملكية المبيع إلى المشتري, ويثبت حرية التصرف فيه, والنكاح الصحيح هو المبيح للاستمتاع بالمنكوحة, ونحو ذلك.
ومعنى القاعدة: أن الأصل في العقود الجارية بين الناس حملها على الصحة والسداد ما أمكن حتى يثبت خلافه, فإذا ادعى أحد العاقدين فساد العقد, وادعى الآخر صحته, ولا بينة لأحدهما؛ فإن القول قول مدعي الصحة, وإذا تردد عقد بين الصحة والفساد ووقع الشك فيه, ولا مرجّح لأحد الأمرين فإنه يحكم بصحته حتى يثبت خلافه؛ إذ"الصحة مقصود المتعاقدين, ومتى أمكن تحصيل مقصودهما - بطريق جائز شرعا- يحمل مطلق كلامهما عليه, ويجعل كأنهما صرحا بذلك" [1] .
والحكم بالصحة إنما يكون في العقود المطلقة أو المبهمة المترددة بين الصحة والفساد, أما إذا صرح العاقدان بإحدى الجهتين, فالعبرة للتصريح؛ كما قال الكرخي:"الأصل أن المتعاقدين إذا صرحا بجهة الصحة صح العقد, وإذا صرحا بجهة الفساد فسد, وإذا أبهما, صرف إلى الصحة" [2] .
وإعمال هذه القاعدة مقيد بعدم غلبة الفساد؛ فأما إذا فسدت ذمم الناس, وأصبحوا لا يبالون بحدود الشرع, حتى غلب الحرام في عقودهم ومعاملاتهم, وأصبح معروفا من حالهم, فيكون الحمل على الفساد حينئذ هو الأصل؛ كما قال الخرشي:"إذا اختلفا في صحة العقد وفساده فإن القول قول مدعي الصحة, إلا أن يغلب الفساد, كأن يدعي أحدهما فساد الصرف أو المغارسة, وادعى الآخر الصحة فالقول قول مدعي الفساد؛ ترجيحا للغالب" [3] , وقال الولاتي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المبسوط للسرخسي 12/ 187.
[2] أصول الإمام أبي الحسن الكرخي ص 113 مع تأسيس النظر.
[3] شرح مختصر خليل للخرشي 5/ 200.