فهرس الكتاب
فمعنى القاعدة أن المكلف إذا تصرف تصرفا ما في شيء أو في أمرٍ يستدعي ملكا من المتصرِّف, وكان يظن أنه غير مالك لهذا الشيء أو للتصرف فيه, وبعد أن أوقع التصرفَ تبيَّن أنه مالك له ومن ثَم للتصرف فيه وأنه كان مخطئا في ظنه عدمَ ملكيته له - فإن العبرة في هذه الحالة بما في نفس الأمر وحقيقته ولا عبرة بظنه المخالف للواقع, فيصح تصرفه نظرا لملكيته للشيء أو الأمر المتصرَّف فيه, ولا يؤثر ظنه المخالف في صحة هذا التصرف, وذلك كما لو باع إنسان شيئا لأبيه على ظن أنه حي وأن هذا الشيء ملك لأبيه, فبان أن أباه قد مات وأن المبيع قد وقع في ملكه بالإرث, فقد تصرف المكلف على ظن عدم ملكه للتصرف فبان في واقع الأمر مالكا, ولذلك فإن تصرفه يعتبر صحيحا تترتب عليه آثاره؛ نظرا لما في نفس الأمر لا لظنه المخالف له.
والقاعدة واحدة من تلك القواعد التي تكشف عن الواجب فعلُه إذا ما حدث تعارض بين ظن المكلف وما في الواقع ونفس الأمر, وهذا المعنى موجود في عدة قواعد تكفّلت كل واحدة ببيان جانب منها - وسيأتي التنبيه عليها - والقاعدة العامة في هذا الباب هي قاعدة"لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه"أي الظن الذي بان وظهر خطؤه؛ ولذلك فالقاعدة متفرعة عنها وتطبيق من تطبيقاتها, كما أن القاعدة تعد أحد فروع قاعدة:"هل النظر إلى المقصود أو إلى الموجود؟"إذ هي صورة من صورها, وكذلك هي راجعة إلى قاعدة"الاعتبار في المعاملات بما في نفس الأمر لا بما في ظن المكلف".
وموضوع القاعدة هو صحة أو فساد التصرف المبني على ما ذكرناه, وهما من الحكم الوضعي, وليس فيها تعرضٌ للحكم التكليفي لهذا التصرف؛ من حرمة أو إباحة أو غيرهما, وفي الحقيقة لا نستطيع إعطاء حكم واحد في هذا الجانب, وإنما يختلف الأمر باختلاف الحال, ولكل صورة حكمها الخاص بها, وللنية دخل في تحديد ذلك في كثير من الصور؛ فمن باع شيئا يظنه ملكا لغيره يريد بذلك تحقيق ربح كبير له ربما فاته لو لم يفعل, فإنه لا يعتبر آثما