4 -الغبن الفاحش:
اشترط في العقود العدل بين المتعاقدين في الحقوق والشروط وغير ذلك من مقتضيات العقد لأن"المساواة في المعاوضات مطلوبة المتعاوضين عادة [1] "وهو ما أكدته القاعدة: (مبنى العقود على العدل من الجانبين) . وحرم الشَّرع الغش وحدد الفقهاء الغبن والعيب الذي يرد به المعقود عليه وما لا يرد به, وحددوا الضمان وغير ذلك من الشروط والضوابط التي تجعل العقود أمتن صيانة وأبعد ما تكون عن أسباب ودواعي الخصومة والشحناء.
والحاصل أن العقد يعتبر فاسدًا إذا أبرم على وصف يفضي إلى المنازعة والخصومة [2] . بل إننا نجد الشارع الحكيم قد وضع عقدًا خاصًّا الغاية منه فض النزاع ورفعه إذا ما وقع, وهو عقد الصلح الذي هو:"لغةً: قطع المنازعة عن رضى, وشرعًا: انتقال عن حق أو دعوى بعوض لدفع نزاع أو خوف وقوعه [3] ". وكلما كان العقد جالبًا لمصالح عظيمة ودارئًا لمفاسد وخيمة, كان مهمًّا, ومن ثم كان الخطر جسيمًا والإضرار بليغًا إذا وقع فيه النزاع وترتب على ذلك انفراط عِقده بالفسخ والفساد والإبطال, لذلك نجد الشارع قد أحاط هذا النوع من العقود بشروط كثيرة واضحة ودقيقة صيانةً له وحفظًا, قال القرافي مبينًا علة زيادة الشروط في بيع الطعام:"العلة كون الطعام غذاءً للإنسان وحافظًا لبنيته الشريفة لطاعة الله تعالى وسبب العون على السعادة في الدنيا والآخرة, فكل ما شرف قدره عظمه الله بكثير شروطه, وهذا هو شأن الشرع في كل ما عظم خطره كالنكاح سبب العفاف واستمرار النسل والمكاثرة بهذه الأمة الشريفة, فاشترط الشرع فيه الولي والصداق وغيرهما تفخيما لقدره [4] ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] بدائع الصنائع للكاساني 5/ 237.
[2] انظر: تبيين الحقائق للزيلعي 4/ 60.
[3] شرح حدود ابن عرفة للرصاع ص 315، شرح النيل وشفاء العليل لأطفيش 13/ 639.
[4] الذخيرة 5/ 148، وانظر: قريبًا من هذا المعنى عند الجويني من قبلُ في كتابه: مقاصد الشريعة ص 474 وما بعدها.