ويمكن تجلية تلك الحقيقة بعد الموازنة بين عبارتين في قاعدة واحدة, فعلى سبيل المثال: إن القاعدة المشهورة في كون الإقرار إنما يلزم صاحبه المقر, ولا يسري حكمه على غيره, ترى نصها المتداول في كتب المتأخرين وفي المجلة (م 8) بعنوان"الإقرار حجة قاصرة", في حين أننا نجد هذه القاعدة عند الإمام الكرخي بالنص التالي:
الأصل:"أن المرء يعامل في حق نفسه كما أقر به, ولا يصدق على إبطال حق الغير, ولا بإلزام الغير حقا" [1] .
وكذلك القاعدة المشهورة"التصرف على الرعية منوط بالمصلحة" [2] يوجد أصلها في كلام الإمام الشافعي رحمه الله وهو:"منزلة الوالي من الرعية منزلة الولي من اليتيم" [3] . ثم اشتهر هذا القول عند كثير من الفقهاء باعتباره قاعدة تحت عنوان:"تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة" [4] .
وقد صاغ القاعدة نفسها العلامة السبكي بصيغة مركزة أكثر اتساعا للفروع الفقهية, فقد أوردها بعنوان"كل متصرف عن الغير فعليه أن يتصرف بالمصلحة" [5] .
د- وإضافة إلى ذلك فبعض القواعد التي اصطبغت بصيغة علمية قد تحتاج إلى إعادة النظر من حيث وضع قيد ضروري لها, لكونها ناقصة أو مطلقة, وهذا يصدق على قاعدة:"لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان" (م 9) . فقد اتفقت كلمة الفقهاء والأصوليين على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان والأعراف هي الأحكام الاجتهادية المبنية على العرف والمصلحة. وبناء على ذلك فتعبير الأحكام هنا تعبير موهم, فالأولى أن توضح القاعدة بوضع كلمة"الفتوى", بدل كلمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رسالة الكرخي (مطبوع مع تأسيس النظر) ص 112.
[2] انظر: حاشية المدخل الفقهي العام 2/ 946.
[3] المنثور في القواعد، تحقيق تيسير فائق أحمد محمود، القسم الأول ص 309.
[4] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 121.
[5] الأشباه والنظائر للسبكي: 310/ 1.