ذلك على أدنى الرتب لا نرقِّيه إلى أعلاها, ولهذه القاعدة قلنا: إن الاضطرار يوجب نقل الملك من المتيسر إلى المضطر إليه, ولكن يمكن قصر ذلك على المرتبة الدنيا؛ بأن يكون بالثمن ولا حاجة إلى المرتبة العليا - وهي النقل بغير ثمن" [1] ."
أما فيما يتعلق بالعقود القهرية غير الاضطرارية - وهي التي شرعت لإزالة ضرر لا يصل إلى حد الاضطرار - فقد ذهب الأغلب الأعم من الفقهاء إلى أن الملك فيها متوقِّف على دفع الثمن فلا يتم الملك ولا ينتقل إلا بذلك. لأنه إذا أبيح إزالة الضرر, فإنه لا يزال بضرر مثله, وهو ما نصت عليه قاعدة (الضرر لا يزال بمثله) , ولأن (( كل من ملك شيئًا بعوض مُلك عليه عوضه في آن واحد ) ), ولأنه ما دام الملك في العقود الاختيارية لا يتوقف على أداء الثمن, فإن الأمر في العقود والفسوخ القهرية على النقيض من ذلك إذ يتوقف الملك فيها على دفعه [2] , ولا يُجمَع على المرء القهر على الخروج من ملكه وضرر تأخير الثمن. يقول ابن قدامة:"لا يأخذ بالشفعة من لا يقدر على الثمن لأن في أخذه بدون دفع الثمن إضرارًا بالمشتري؛ ولا يزال الضرر بمثله, فإن أحضر رهنا أو ضمينا لم يلزم المشتري قبوله؛ لأن في تأخير الثمن ضررًا فلا يلزم المشتري ذلك كما لو أراد تأخير ثمن حالٍّ, فإن بذل عوضًا عن الثمن لم يلزمه قبوله لأنها معاوضة لم يجبر عليها [3] ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر الذخيرة للقرافي 6/ 328
[2] انظر: المدونة الكبرى للإمام مالك 2/ 493. ويقول الزركشي:"ومما يتخالفان فيه - أعني الاختياري والقهري - أن الاختياري يملك بالعوض المعين أو بما في الذمة ولا يتوقف على أداء الثمن بلا خلاف، وأما القهري - كالأخذ بالشفعة - فلا يملك حتى يقبض المشتري الثمن أو يرضى بتأخيره على أحد القولين، والصحيح أنه يملك بذلك". المنثور 1/ 233.
[3] المغني لابن قدامة 5/ 203.