والأصل في الغرور أنه يوجب الضمان وأن المغرور يرجع على الغار بما ضمن, لأن"غرمه كان بسبب غروره, والقياس والعدل يقتضي أن من تسبب إلى إتلاف مال شخص أو تغريمه أنه يضمن ما غرمه, كما يضمن ما أتلفه؛ إذ غايته أنه إتلاف بسبب, وإتلاف المتسبب كإتلاف المباشر في أصل الضمان" [1] . إلا أن القاعدة التي بين أيدينا تستثني عقود التبرعات من هذا الأصل, وتبين أن الغرور فيها لا يؤثر ولا يوجب الرجوع.
ومعنى القاعدة: أن الغرور إذا وقع ضمن عقد من العقود التي لا عوض فيها؛ كالهبة أو الصدقة والرهن ونحوها, فلحق المغرور بسببه غرم فليس له الرجوع بما غرم أو تحمل من مسؤولية على من غره, كما لو وهب لصاحبه شاة, فأخذها وذبحها لحاجته إلى لحمها ثم تبين أنها ليست للواهب فلمستحقها أن يضمّن الموهوب له, وليس له أن يرجع على
-الواهب؛ وذلك"لأنه هو المتلف, وإليه عادت منفعته, فكان قرار الضمان عليه" [2] ؛ لأن المتلف مباشر"والمباشرة مقدمة على السبب" [3] .
وعدم الرجوع على الغار في التبرعات مقيد بأن يكون الغرور في عقد يعود نفعه إلى القابض؛ كالهبة والصدقة والعارية, أما إذا كان في عقد يرجع نفعه إلى الدافع؛ كالوديعة فللمغرور أن يرجع إلى الغار؛ فلو أودع أحد مالا عند آخر على أنه ملكه فظهر له مستحق بعد أن تلف في يد المستودع وضمّنه المستحق بدل الوديعة, فللمستودع الرجوع بما ضمنه على المودع؛ لأن منفعته تعود إليه [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] إعلام الموقعين 2/ 35 - 36.
[2] المنثور 1/ 134 - 135، أسنى المطالب 2/ 342، تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي 6/ 15.
[3] المنثور 1/ 134، أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 4/ 70.
[4] انظر: الأشباه لابن نجيم ص 215، مجمع الضمانات للبغدادي ص 454، درر الحكام لعلي حيدر 1/ 827.
[5] تحرير المجلة لكاشف الغطا 1/ 248.