فهرس الكتاب

الصفحة 9581 من 19081

ذلك؛ فمن وهب ما سوف تثمره نخلته سنتين أو ثلاثًا أو أكثر كان ذلك جائزًا مع ما فيه من الغرر, حيث إنه لا يدرى هل ستثمر هذه الشجرة في العام القادم أم لا, وإذا أثمرت هل ستثمر كثيرًا أو قليلًا؛ وذلك لأنه عقد تبرع, وعقود التبرعات لا يؤثر فيها الغرر, إذ الموهوب له لم يبذل شيئًا, فإن أثمرت الشجرة كان غانمًا, وإن لم تثمر لم يغرم ولم يتضرر. أما بيع ما ستثمره الشجرة في العام القادم فإنه لا يجوز؛ لأنه عقد معاوضة, فيكون المشتري على خطر, فقد لا يأخذ شيئًا أو يأخذ أقل مما بذل أو أكثر, فيترتب عليه غالبًا أكل أحد المتعاقدين مال الآخر بالباطل, ويؤدي ذلك إلى النزاع والخصام.

وسبب اغتفار الغرر في التبرعات هو ما بينه الإمام القرافي بقوله:"إن هذه التصرفات - كالصدقة والهبة والإبراء - لا يقصد بها تنمية المال, بل إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه, فإنه لم يبذل شيئًا, بخلاف المعاوضات الصرفة إذا فاتت بالغرر والجهالات ضاع المال المبذول في مقابلته, فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه, أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه, فاقتضت حكمة الشرع حثه على الإحسان والتوسعة فيه بكل طريق, بالمعلوم والمجهول؛ فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعًا, وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله, فإذا وهب له بعيره الشارد جاز أن يجده فيحصل ضرر عليه إن لم يجده؛ لأنه لم يبذل شيئًا, وهذا فقه جميل" [1] .

والقاعدة محل خلاف بين الفقهاء؛ وقد أعملها الإمام مالك رحمه الله في جميع عقود التبرعات, فتميز بذلك المذهب المالكي على سائر المذاهب, حيث إنهم قسموا العقود إلى ثلاثة أقسام؛ كما قال القرافي:"وقد فصل مالك بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة وهو باب المماكسات"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفروق للقرافي 1/ 151 بتصرف.

[2] الفروق للقرافي 1/ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت