وبهذا يتبين أنه لا يقصد بالقاعدة عدول المكلف عن الواجب المقدر إلى ما هو أعلى منه, كما لو غسل المتوضئ رأسه بدل مسحه, وكما لو وجبت عليه شاة فأخرج بعيرا؛ إذ المراد بهذه ترك الواجب المقدر إلى فعل غيره لا فعله والزيادة عليه كما هو هنا, وقد تكفلت ببيان تلك القضية قاعدةُ:"الواجب إذا قدر بشيء فعدل إلى ما فوقه, هل يجزئه؟".
كما يتبين أن المراد بها بيان إجزاء العمل وعدم فساده بالزيادة على القدر الواجب, وهذا هو المراد بـ (لم تضره) التي وردت في صيغة القاعدة, وليس فيها تعرض لبيان الحكم التكليفي من جواز أو عدم جواز هذا الفعل, والأصل هو عدم جواز إقدام المكلف على الزيادة على القدر الواجب؛ لأن العبادات مبناها على رعاية الاتباع, والأصل فيها هو التوقيف, وقد صرحت بذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم, والزيادة على ما حده الشرع منها خروج عن هذا الأصل المتفق عليه, فلا يجوز إلا إذا دل الدليل على جواز ذلك كما في إخراج أكثر من الواجب عليه في الزكاة, ويأتي الدليل عليه.
لكن كون الأصل في الزيادة على العمل المشروع هو عدمَ الجواز لا يلزم منه عدمُ الإجزاء؛ إذ ربما لا يجوز للمكلف فعل شيء ما في عبادته, وإذا صدر عنه وقعت عبادته صحيحة مجزئة, كما لو توضأ أربعا أربعا مثلا؛ فإنه يجوز للمتوضئ أن يتوضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا, ولا يجوز له الزيادة على ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثلاث:"فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم"ووضوء مَن توضأ أربعا مع ذلك صحيح مجزئ.
على أن هناك أحوالا لا يحصل فيها الإجزاء بل تبطل العبادة بسبب تلك الزيادة - وهذه تعد استثناء من حكم القاعدة - كما لو صلى المكلف الظهر خمسا متعمدا لزيادة ركعة؛ يقول ابن رجب الحنبلي, رحمه الله تعالى:"وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها, ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله فيكون"