ويوجب عليه الاستمرار فيها إلى نهايتها, ويحرّم عليه الخروج منها قبل إنهائها والفراغ منها, حتى ولو كانت هذه العبادة غيرَ واجبة عليه ابتداء؛ فإن ابتداءه لها وشروعَه فيها موجِبٌ عليه ذلك, والشروع في العبادة يتحقق بالفعل مقرونا بالنية حقيقة أو حكما بحسب كل عبادة, فعلى سبيل المثال يكون الشروع في الصلاة بتكبيرة الإحرام مقرونة بالنية, والصوم يكون الشروع فيه بالنية والإمساك.
والإلزام بالشروع كالإلزام بالنذر؛ فإن الإنسان قبل أن يشرع في النذر بأمر من الأمور غيرِ المحرمة - تكون ذمته غير مشغولة به, فإذا نذره وجب عليه, فالأمر بالنسبة للشروع في سائر العبادات كذلك؛ ولذلك فإن من صيغ القاعدة ما لوحظ فيه هذا التشبيه, كما في قول الفقهاء:"الشروع ملزم كالنذر", فإذا ما صام إنسان يوما تطوعا مثلا فإنه قبل الشروع فيه لا يكون مخاطبا بأدائه فيسعه أن لا يدخل فيه ابتداء, فإذا ما شرع فيه وجب عليه إكماله إلى غروب الشمس.
ومن مقتضيات لزوم العبادة بالشروع حرمة الخروج منها بعد البدء فيها, إلا من عذر؛ كأن ينتقض وضوء المصلي, أو أن يمرض الصائم, أو غير ذلك مما يعوق المكلف عن إتمام عبادته التي شرع فيها, ومن مقتضياته كذلك وجوب قضاء العبادة إذا لم تتم, وقد عبرت بعض صيغ القاعدة عن ذلك فنصّت على أن"الشروع في نفل العبادة سبب لوجوب إتمامه وقضائه إن فسد"فالذي شرع في الصلاة أو الصيام أو غيرهما من العبادات ثم أفسد عبادته تلك يلزمه قضاؤها, على تفصيل عند الفقهاء في ذلك [1] , يأتي بيانه إن شاء الله.
وبهذا التقرير لمعنى القاعدة يتبين أن مجالها إنما هو العبادات والقرب والطاعات لا كل أمر يشرع فيه الإنسان كالبيوع والإجارات ونحوها, ولذلك جاءت القاعدة وعدة صيغ لها بذكر العبادات لبيان مجال ما يلزم بالشروع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: بدائع الصنائع 2/ 94، حاشية ابن عابدين 3/ 29، عمدة ذوي البصائر 1/ 58/ب.