فهرس الكتاب

الصفحة 9904 من 19081

أصاب جهتها, وكذلك إذا توضأ بإناء مشكوك في طهارته ونجاسته فتوضأ منه من غير تحرّ ولا اجتهاد فتبين أن الذي توضأ به كان طاهرًا - لم يصح وضوؤه ولا صلاته تبعًا لذلك, وإذا لم ينكشف الحال أو تبين مخالفة ما أتى به المكلف لما في نفس الأمر فإنه لا يجزئه من باب أولى كما هو واضح.

وهذا الإقدام على فعل العبادة من غير تحرّ ولا اجتهاد هو ما يسميه العلماء بالهجوم [1] وقد أورد ابن السبكي القاعدة معبرًا عنها بلفظ الهجوم كما في الصيغة الثالثة من الصيغ الأخرى للقاعدة, وهذا الهجوم على الفعل قد يكون مع الشك فيما ينبغي فعله كما في المثالين السابقين, وكثيرًا ما يستخدم الفقهاء عبارة (شك فهجم من غير اجتهاد) أو ما في معناها, وهذا هو الأكثر في الهجوم أن يكون مع الشك, وقد يكون الهجوم مع الجهل؛ فإن الجاهل بما ينبغي فعله يجب عليه أن يسأل عنه قبل الشروع فيه, فإذا فعل من غير سؤال فإنه يكون قد هجم, ومن هذا القبيل إذا قضى القاضي أو أفتى المفتي عن جهل فوافق قولهما الصواب في نفس الأمر, ولذلك فإن القاعدة تُعدّ أصلا لقاعدة:"الجهل بالشرط مبطل وإن صادفه"؛ وذلك لأن الشك أعلى رتبة من الجهل فإذا كان الشك في شرط العبادة مبطل لها فمن باب أولى إذا جهلها المكلف, وأما الظن فلا يعدّ من الهجوم, وأكثر الأحكام الشرعية مبنية على الظن, فمن اعتمد عليه - مع عدم قدرته على اليقين - فلا يقال فيه: إنه قد هجم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الهاء والجيم والميم: أصلٌ صحيحٌ واحد يدلُّ على وُرودِ شيءٍ بَغتةً، ثم يقاس على ذلك، كما يقول ابن فارس في مقاييسه 6/ 37، فالهجوم: الإتيان والدخول بغتة، يقال: هجَم عليه يهجُم إذا انتهى إليه بغتة ودخل عليه من غير استئذان. كما في معاجم اللغة، وهذا المعنى مستعمل عند الفقهاء بكثرة، فكثيرًا ما يذكرون هجوم العدو أو الصائل أو غيرهما مريدين به ذلك المعنى اللغوي السابق، وهو الأكثر شيوعًا في استعمالهم لهذه الكلمة، إلا أنهم أحيانًا يستعملونه ويريدون به شيئًا آخر هو: التصرفُ بلا تحرٍّ أو اجتهاد أو ظنٍّ سابق، وهذا المعنى الثاني هو المراد هنا. وانظر استعماله بهذا المعنى: أسنى المطالب 1/ 23، حاشية الجمل على المنهج 2/ 322، حاشية العبادي على تحفة المحتاج 1/ 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت