وإنما كان الحكم في القاعدة على ما أتت به مع أن المكلف قد وافق فعلُه الصواب؛ من أجل اشتراط الجزم بالنية وعدم التردد فيها فيما يتعلق بأمر العبادات؛ إذ النية شرط في صحة العبادات, ومن شروط النية - حتى تسلم وتصح - عدمُ المنافي, ومما ينافي النية الترددُ فيها, ومن صور هذا التردد أن يفعل الفعل شاكًّا لا يدري هل هو موافق للأمر أم لا [1] , ولذلك فإن كثيرين ممن ذكروا القاعدة عللوا عدم الإجزاء فيها باشتراط الجزم بالنية [2] , كما أن فعل العبادة مع الشك وعدم الاجتهاد أو التحري يدل على قلة اهتمام المكلف وعدم اكتراثه بأمر العبادة مع شرفها وعلو مرتبتها في الشريعة.
وقد اشتمل نص القاعدة على قيدين لابد من توافرهما حتى يحكم على تلك العبادة المشكوك في شرطها بعدم الصحة وإن ظهر موافقًا للصواب:
القيد الأول: أن لا يكون إتيان المكلف للفعل مستندًا إلى أصل شرعي, وهو ما عبر عنه غير واحد بأن لا يكون إتيانه للمشكوك فيه على جهة الاحتياط [3] , فإن كان فعلُ المكلف للمشكوك فيه ناشئًا عن الاحتياط فإن عبادته تصح وتكون مجزئة, كالمحدث إذا شك هل توضأ أم لا فتوضأ احتياطًا ثم بان حدثه, فإنه يصح وضوؤه؛ لأن الأصل بقاء الحدث فلم يكن للتردد هنا تأثير, وكما إذا نسي صلاة من الصلوات الخمس ولم يعرف عينها, فإنه يصلي الخمس ويبرأ مما عليه مع الشك في كل صلاة؛ لأنه أتى بها على وجه الاحتياط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر مبحث التردد في النية في: المجموع المذهب 1/ 274 وما بعدها، القواعد للحصني 1/ 232 وما بعدها، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 37 وما بعدها، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 52.
[2] انظر: المجموع المذهب 1/ 53، المنثور للزركشي 2/ 271، قواعد الحصني 1/ 239، قواعد المقري 2/ 421.
[3] انظر: المجموع المذهب 1/ 53، المنثور للزركشي 2/ 271، قواعد الحصني 1/ 239، مختصر قواعد العلائي لابن خطيب الدهشة 1/ 75، المقاصد السنية للشعراني ص 84.