فهرس الكتاب
غير أن ما ورد في الشرع من طاعات لغير الله تعالى, كطاعة العلماء والأمراء , إنما يكون لزومه بأمر الله وبإذنه, لا أنه يلزم من ذاته. فهو على التحقيق طاعة لله. وحتى سجود الملائكة لآدم, إنما وجب طاعةً لله. فهو في حقيقته سجود لله ولأمر الله.
... قال الباقلاني:"وكذلك يجب أن لا يكون الخبر عن الأمر والإيجاب والندب مفيدا لحصول الإيجاب والندب, إلا أن يصدر عن من له الإيجاب والندب ويستحق أن يُعبد بالطاعة, وهو الله تعالى دون كل أحد من الخلق. وكل من يقول إنه واجب الطاعة منهم, فإنما يعني به وجوب الطاعة لله عز وجل. وطاعةُ النبي صلى الله عليه وسلم , والإمام, والسيد, والوالد, إنما هي طاعة لله تعالى. ولولا أمرُهُ لنا بالتزام ذلك من أمثالنا, لم يجب علينا طاعة أحد من جهة العقل. وكذلك سبيل أمره للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام."1
... وقال الشوكاني:"فإن هذا 2 أمرٌ لم يكن إلا لله سبحانه, لا لغيره من البشر كائنا من كان, إلا فيما فوضه إلى رسله. وليس لغير الرسل في هذا مدخل, بل الرسل منهم متعبدون بما تعبدهم الله به, مكلفون بما كلفوا به, مطالبون بما طلبه منهم. وتخصيصهم بأمور لا تكون لغيرهم لا يعني خروجهم عن كونهم كذلك, بل هم من جملة البشر, ومن سائر العباد في التكليف بما جاؤوا به عن الله. وقد أَخبروا بهذا وأخبر به الله عنهم, كما في غير موضع من الكتاب العزيز ومن السنة النبوية, وكما وقفنا عليه في التوراة/ 5 والإنجيل/ 5 والزبور مكررا في كل منها"3
... ومن فوائد هذه القاعدة لا حكم إلا لله أنها تغلق عددا من أبواب الفساد والتسلط على الناس والتحكم في حياتهم وتصرفاتهم الدينية والدنيوية.
-فهي تغلق باب الاستبداد التشريعي الذي يقع من الحكام والأمراء. فالحاكم والأمير والقاضي, كلهم ملزمون بمقتضى هذه القاعدة, بأن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] التقريب والإرشاد للباقلاني 2/ 55.
[2] يقصد التشريع للعباد والحكم عليهم.
[3] أدب الطلب للشوكاني ص 31.