على أن الشفاعة والعفو جائز في التعزير في الحالات التي لم يصدر فيها جور بيِّن من الشخص المحكوم بالتعزير, وليست بمنزلة الشفاعة في الحدود [1] .
وعند الشافعية: ولا يجوز ترك التعزير إن كان لآدمي, وتجوز الشفاعة فيه, وفي غيره من كل ما ليس بحد, بل تستحب لقوله تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} , [النساء: 85] ولخبر الصحيحين, عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي (:"كان إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه وقال: اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء" [2] .
وقد جاء في فقه الحنابلة ما يلي: من الفوارق بين الحد والتعزير, أن الحد لا تجوز الشفاعة فيه إذا بلغ القاضي, والتعزيرات يجوز فيها الشفاعة, وتدخل تحت عموم قوله (كما في الحديث الصحيح:"اشفعوا تؤجروا ...", ولما قاله (:"إذا بلغت الحدود السلطان فلعنة الله على الشافع والمشفع", [3] فمفهوم قوله: الحدود, أن غير الحدود تشرع فيه الشفاعة ودرء الضرر عن المسلم ما أمكن؛ لعله أن يتوب ويرجع, ويصلح من بعد فساد.
وعند الإباضية: في التعليق على حديث:"من شفع في حد من حدود الله فقد ضاد الله في ملكه , وخاض في سخطه, وأن لعنة الله تتابع عليه إلى يوم القيامة" [4] , فلو ضمن من حيث الأرش والدية لجازت ضمانته, وأن قومًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المدونة لمالك بن أنس 4/ 488، دار الكتب العلمية، مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب 18/ 132، دار عالم الكتب.
[2] رواه البخاري في صحيحه 2/ 113 (1432) وفي مواضع؛ ومسلم 4/ 2026 (2627) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وانظر: إعانة الطالبين للبكري 4/ 190، دار الفكر.
[3] رواه الدارقطني 4/ 283 (3467) ، والطبراني في الصغير 1/ 111 (158) ؛ والأوسط 2/ 380 (2284) من حديث الزبير مرفوعا، ورواه مالك في الموطأ 2/ 835 (29) موقوفا عليه، وقال الهيثمي في المجمع 6/ 259 عن المرفوع: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه أبو غزية محمد بن موسى الأنصاري ضعفه أبو حاتم وغيره، ووثقه الحاكم، وعبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف.
[4] جزء من حديث رواه أحمد 9/ 283 (5385) ، 9/ 380 (5544) ؛ وأبو داود 3/ 305 (3597) عن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.