وقد نبّه محمد الطاهر ابن عاشور إلى أن المال الذي قصد الشارع الحفاظ عليه واعتبره من كليات الشريعة وأصولها ليس فقط هو أموال آحاد الأفراد وممتلكاتهم الخاصة, وإنما هو أيضا وفي المقام الأول منه أموال الأمة وثرواتها, قال ابن عاشور"أن مال الأمة هو ثروتها, والثروة ما ينتفع به الناس آحادا أو جماعات في جلب نافع أو دفع ضار في مختلف الأحوال والأزمان والدواعي, انتفاع مباشرة أو"
وساطة" [1] "
وقال أيضا"وأما حفظ المال فهو حفظ أموال الأمة من الإتلاف, ومن الخروج إلى أيدي غير الأمة بدون عوض, وحفظ أجزاء المال المعتبرة عن التلف بدون عوض" [2]
فالحفاظ على المال إذًا يرتبط بالحفاظ على وجود الأمة وتقوية شوكتها وتعزيز مكانتها بين الأمم وتحقيق عمران الأرض وتنميتها وتحقيق واجب الخلافة فيها, وليس هو فقط مجرد الحفاظ على أموال آحاد الأفراد وأنفسهم ووجودهم المادي, قال ابن عاشور:"ما يظن بشريعة جاءت لحفظ نظام الأمة وتقوية شوكتها وعزتها إلا أن يكون لثروة الأمة في نظرها المكان العالي من الاعتبار والاهتمام, وإذا استقرينا أدلة الشريعة من القرآن الكريم والسنة الدالة على العناية بمال الأمة وثروتها والمشيرة إلى أن به قوام أعمالها وقضاء نوائبها, نجد من ذلك أدلة كثيرة تفيدنا كثرتها يقينا بأن للمال حظا لا يستهان به, قال تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت -62] , وقال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [آل عمران -14] ."
ولما كان الحفاظ على المال مصلحة شرعية معتبرة ومقصدا شرعيا كليّا, فقد أنكر كثير من العلماء على من عدّ المال مفسدة ذاتية يجب التخلص منها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقاصد الشريعة لابن عاشور ص 457.
[2] المصدر نفسه ص 303.