يفكروا في الانتقام, وارتكاب الفظائع الجماعية لإرهاب المخالفين والمحافظة على الدولة. [1]
فما دامت الغاية هي المحافظة على قوة الدولة وازديادها فإنه لا مانع من اللجوء إلى أي وسيلة تحقق هذه الغاية, بقطع النظر عن موافقتها أو مخالفتها للقيم والأصول الأخلاقية. ولا ريب أن ما أراده وقصده"مكيافيلي"بمقولته تلك يتصادم مع مقررات الإسلام وقواعده وثوابته وذلك لما فيها من تجريد للسياسة من قيم الدين وفضائل الخلق إن على مستوى المقاصد والغايات أو على مستوى الوسائل والذرائع, حيث إن المقاصد التي تعدّ نبيلة وشريفة في نظر أنصار هذه القاعدة, هي في غالبها ليست مقاصد مشروعة ولا محمودة في اعتبار الشرع, فليس من المقاصد المشروعة بسط سلطان دولة ظالمة على الشعوب, وإرهاب المعارضين وقهرهم, و فرض هيبة حاكم جائر, كما أنه ليس من الوسائل المشروعة نقض العهود, وخيانة المواثيق, واغتصاب الحقوق, والاستيلاء على خيرات الشعوب, والإساءة للمخالفين. فالغايات والوسائل تستمد مشروعيتها في مقولة"الغاية تبرر الوسيلة"من مصالح الحكام والأمراء والساسة, أما في شريعة الإسلام فإنها تستمد حكمها ومشروعيتها من الشرع نفسه بتوجيهاته وهديه وحقائقه ومقرراته التي تكشف عنها مصادره المختلفة.
ج- على أن قاعدتنا"المقاصد المشروعة لا تسوِّغ الوسائل الممنوعة", وإن كانت تمثل الأصل العام في التشريع الإسلامي, فإن هذا الأصل مقيد بقيد وهو أن لا يؤدي الامتناع عن فعل الوسيلة المحرمة إلى مفسدة تربو وتزيد على مفسدة التحريم, ذلك أن تحريم الوسيلة ومنعها هو لأجل تفادي مفاسدها التي تنجم عنها وتترتب عليها, فإذا تعيّن فعلها لتفادي مفسدة أخرى أشد منها فسادًا وأعظم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر كتاب الأمير لنقولا مكيافيلي، تعليق موسوليني، تعريب خيري حماد، دار الآفاق، ط 12، ص 62 وما بعدها.