إهمالها, وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها, وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص, فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك [1] .
فإذا تتبعنا نصوص الشريعة وأحكامها وعللها, واستنبطنا من خلال هذا التتبع والاستقراء مقصدًا شرعيًا, فإن هذا الاستقراء يعطينا اليقين بأن هذا من مقصود الشارع, وستأتي أمثلته بالتطبيقات.
ومن أهم المسائل التي طبق الشاطبي فيها الاستقراء, وبين أنه أهم مسلك لإثبات مقاصد الشريعة, ما جاء في الصيغة الثانية من الصيغ الأخرى للقاعدة من أن كليات المقاصد إنما تثبت بالاستقراء, وكذلك قوله: (كون الشارع قاصدًا للمحافظة على القواعد الثلاث الضرورية والحاجية والتحسينية ... ) , وقوله: (وذلك أن هذه القواعد الثلاث لا يرتاب في ثبوتها شرعًا أحد ممن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع وأن اعتبارها مقصود للشارع, ودليل ذلك استقراء الشريعة والنظر في أدلتها الكلية والجزئية, وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة على حد الاستقراء المعنوي الذي لا يثبت بدليل خاص, بل بأدلةٍ منضافٍ بعضها إلى بعضٍ, مختلفة الأغراض بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة) [2] .
وهذا مما يتميز به مسلك الاستقراء - عند الشاطبي - عن غيره من المسالك, من كون المقاصد العامة والكليات الأساسية للشريعة تثبت به. إضافة إلى أن المقاصد الاستقرائية قطعية يقينية.
وقد أفرد ابن عاشور الاستقراء بمسلك مستقل, وجعله أول مسلك من مسالك الكشف عن مقاصد الشارع, بل واعتبره أعظم الطرق لإثبات المقاصد, كما جعله دليلا من أدلة الأحكام, وقسمه إلى نوعين: استقراء علل الأحكام, واستقراء أدلة الأحكام ذات الغاية الواحدة. [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الأحكام في إصلاح الأنام للعز بن عبد السلام 2/ 314.
[2] انظر: الموافقات 2/ 49 - 52.
[3] انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور ص 190 - 192، وتراجع تفصيلاته في قواعد سابقة.