كل ركعة لتحقيق معنى السجود وحكمته بشكل أقوى وآكد, كما لا يقال أيضا: إنه ما دامت الحكمة من التكبير في الصلاة تعظيم الله سبحانه فإنه يمكن أداؤه بأيِّ لفظ آخر يؤدي معنى التكبير ويحقق مقصوده؛ قال ابن القيم:"والصواب اتباع ألفاظ العبادات والوقوف معها, وأما العقود والمعاملات فإنما يتبع مقاصدها والمراد منها بأي لفظ كان, إذ لم يشرع الله ورسوله لنا التعبد بألفاظ معينة لا نتعداها" [1]
هذا, وقد نبَّه إلى خفاء المعاني والحكم التفصيلية للعبادات في غالبها عدد من العلماء؛ ك الجويني حيث قال:"العبادات البدنية المحضة فإنه لا يتعلق بها أغراض دفعية ولا نفعية ولكن لا يبعد أن يقال: تواصل الوظائف يديم مرون العباد على حكم الانقياد, وتجديد العهد بذكر الله تعالى ينهى عن الفحشاء والمنكر, وهذا يقع على الجملة, ثم إذا انتهى الكلام في هذا القسم إلى تقديرات كأعداد الركعات وما في معناها لم يطمع القايس في استنباط معنى يقتضي التقدير فيما لا ينقاس أصله." [2] أي أن العبادات يمكن أن تفهم معانيها ومصالحها الإجمالية العامة دون التفصيلية الجزئية.
كما صرح بهذا المعنى أيضا الغزالي إذ قال:"ما يتعلق من الأحكام بمصالح الخلق من المناكحات والمعاملات والجنايات والضمانات؛ وما عدا العبادات, فالتحكم فيها نادر, وأما العبادات والمقدَّرات؛ فالتحكمات فيها غالبة, واتباع المعنى نادر" [3] والمقصود بالتحكم: خفاء وجه المصلحة والحكمة في تلك الأحكام, ففي العادات التحكم نادر وقليل, وفي العبادات التحكم غالب وكثير.
وبناء على غلبة التحكم في العبادات فقد ذكر الغزالي أن الشافعي لم يلجأ إلى القياس في العبادات إلا عند ظهور المعنى المقصود ظهورًا لا ريب فيه, قال الغزالي:"لا جرم رأى الشافعي الكف عن القياس في العبادات إلا إذا ظهر المعنى"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] إعلام الموقعين 1/ 292.
[2] البرهان 2/ 604.
[3] شفاء الغليل ص 203