ظهورًا لا يبقى معه ريب؛ ولذلك لم يقس على التكبير والتسليم والفاتحة والركوع والسجود غيرها؛ بل لم يقس على الماء في الطهارات غيره, ولم يقس الأبدال والقيم في الزكوات على المنصوصات, ولم يقس في مسألة الأصناف, لأن مبنى العبادات على الاحتكامات, ونعني بالاحتكام ما خفي علينا وجه اللطف فيه .." [1] "
وقد ميّز العز بن عبدالسلام أيضا بين الأحكام الشرعية من حيث المعقولية والتعبد, ونبَّه إلى أن المجالات التي تغلب عليها المعقولية هي العادات والمعاملات, وأن التي يغلب عليها التعبد هي العبادات التي لا تعقل معانيها وحكمها تفصيلًا, وإن كانت حكمتها ومصلحتها إجمالًا معقولة ومدركة من حيث الطاعة والانقياد والإذعان لله تعالى. [2]
هذا, ولا تعني هذه القاعدة التي نحن بصددها, أن العبادات لا يمكن البحث البتة في حِكَمها ومصالحها والوقوف على كثير من أسرارها وفوائدها مطلقًا, وإنما الذي تعنيه أن العبادات ليست منوطة في غالبها بأوصاف مناسبة معقولة حتى يجري فيها الاجتهاد والقياس جريانه في موضوعات العادات والمعاملات, اللهم إلا في حالات قليلة قد ظهر فيها بما لا ريب فيه أن الفعل العبادي منوط بمصالح مناسبة معقولة, فحينئذ يكون الاجتهاد والتفريع عليها ممكنا ومقبولا.
أما البحث في أسرار العبادات ومعانيها وفوائدها فهو أمر قد فاضت به عبارات العلماء بمن فيهم الشاطبي نفسه الذي قرر هذه القاعدة, حيث قال في معاني الصلاة وتوابعها:"إن الصلاة مثلا إذا تقدمتها الطهارة أشعرت بتأهب لأمر عظيم, فإذا استقبل القب التوجه بحضور المتوجه إليه, فإذا أحضر نية التعبد أثمر الخضوع والسكون, ثم يدخل فيها على نسقها بزيادة السورة خدمة لفرض أم القرآن, لأن الجميع كلام الرب المتوجه إليه, وإذا كبَّر وسبَّح وتشهد فذلك كله"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شفاء الغليل ص 203 - 204.
[2] انظر: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/ 18، الفوائد في اختصار المقاصد له أيضا 1/ 33.