فبدون العَلاقات تصبح جميع التصورات مجرد ألفاظ لا قيمة لها, ولا عمل للعقل حيالها, فإن التصورات كلَّها وضعية, ولولا العَلاقاتُ بين هذه التصورات لما نشأت الماصدقاتُ؛ فالجانب الأكبر من التصديق عقلي ناشئ من إدراك العلاقات والنِّسَب بين هذه التصورات [1] .
والنسبة هي أحد مفاهيم العقل الأساسية, ويعرفها الجرجاني بقوله: هي إيقاع التعليق بين شيئين. [2] وإدراك هذه النسبة يسمى حكما؛ فالحكم ليس إلا إدراك"نسبة أمر إلىآخر إيجابا أو سلبا" [3] ؛ فبدون العلاقات لا تنشأ الأحكام.
وكل معرفة إنما هي عبارة عن عَلاقة شيء بآخر [4] "فلا معنى لنظر العقل إلا دَرْك انقسام الأمور المتشابهة في الظاهر, ودَرْك اجتماع الأمور المفترقة في الظاهر؛ فإن الأشياء تختلف في أمور وتشترك في أمور, وإنما شأن العقل أن يميز بين ما يشترك فيه وما يفترق فيه" [5] .
وليست العلة في القياس الأصولي إلا شكلا من أشكال العلاقات التي تربط الأصلَ بالفرع الذي يتخرج عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] يقسم المنطقيون العلم إلى: علم بمفرد يسمى تصورًا، كالعلم بمعنى الإنسان والكاتب. وعلم بنسبة يسمى تصديقًا، وهي: إسناد شيء إلى آخر بالنفي أو الإثبات؛ بمعنى إيقاعها أو انتزاعها. انظر: معيار العلم في فن المنطق للغزالي ص 76، 86، دار المعارف، مصر، سنة 1961، بتحقيق سليمان دنيا؛ طوالع الأنوار من مطالع الأنظار للبيضاوي ص 55، دار الجيل، بيروت، والمكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1411 هـ، 1991 م؛ التحبير شرح التحرير للمرداوي 1/ 216، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، سنة 1421 هـ - 2000 م؛ تجديد علم المنطق في شرح الخبيصي على التهذيب لعبد المتعال الصعيدي ص 11، 12؛ ضوابط المعرفة لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ص 18، طبعة دار القلم - دمشق - الطبعة الرابعة، سنة 1414 هـ - 1993 م.
[2] - التعريفات 1/ 241.
[3] تسهيل المنطق لعبد الكريم الأثري ص 7.
[4] انظر المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية ص 200.
[5] معيار العلم في فن المنطق للغزالي ص 73، طبع المطبعة العربية بمصر - الطبعة الثانية سنة 1346 هـ-1927 م