فهرس الكتاب

الصفحة 5154 من 19081

ولا يمكن للفقيه أن يتوصل إلى معرفة الحكم الفقهي السديد إلا بعد تصور المسألة تصورًا دقيقًا وفهمها فهمًا صحيحًا, وذلك بالرجوع إلى ما يقوله أهل البصيرة في كل باب, مما يعني أن وظيفة أهل الخبرة والمعرفة مكملة لوظيفة الفقيه فيما كان الحكم يعتمد على الخبرة والمعرفة, بحيث إن الفقيه يستنبط الحكم الشرعي إجمالًا, ويقول: إذا كان الشيء كذا فهو حلال, وإذا كان كذا فهو حرام, لكن كون الشيء بعينه هل تتوفر فيه صفة الحل أو الحرمة - إن لم تكن ظاهرة - يعتمد في ذلك على قول أهل النظر بذلك الشيء, فالفقيه يبني حكمه على شيء معين بناءً على رأي أهل الخبرة والمعرفة بذلك الشيء, فمثلًا: يقول الفقيه: إن كل مسكر حرام, لكن هل هذا الشيء مسكر أو ليس بمسكر يرجع فيه لأهل الخبرة, ويقول الفقيه: كل ما فيه مضرة غالبة على مصلحته فهو حرام, لكن تقويم المضرة والمصلحة من وظيفة أهل الخبرة به, ويقول الفقيه: إن استبدال الوقف للمصلحة الراجحة جائز [1] , لكن تبيين وجه المصلحة يرجع فيه إلى أهل الخبرة, وهكذا. و لذلك أولى الفقهاء الأوائل - رحمهم الله - هذا الجانب أهمية كبيرة, فربطوا الحكم الشرعي في كثير من الأحكام الاجتهادية المعتمدة على الخبرة والمعرفة بما يقوله الخبراء الثقات المختصون؛ لأن قولهم يستند إلى خبرة ظاهرة, وطول معاشرة لهذه الحادثة, مما يورِّث في النفس سكونًا إلى قولهم واعتبارًا لرأيهم, فكانوا فيما يقولون أقرب للصواب من غيرهم [2] .

و قد تضافرت أقوال الفقهاء على وجوب الرجوع إلى نظر أهل المعرفة فيما يتوقف الحكم الشرعي على معرفته, من ذلك - مثلًا - ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى:"وكون المبيع معلومًا أو غير معلوم لا"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 31/ 224.

[2] انظر: الطرق الحكمية لابن القيم ص 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت