وفي معنى التوزيع اللغوي ما يعرف في علم البديع باللف والنشر وهو بوجهيه المرتب والمشوش [1] من باب التوزيع بمقابلة الأفراد بالأفراد. ومثال المرتب منه: قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [القصص: 73] أي تسكنوا في الليل وتبتغوا من فضل الله في النهار بالأسفار والترحال والحركات والأشغال [2] .
ووجه الاختلاف في قاعدتنا أن بعض الفقهاء اعتبروا توزيع كل فرد من أفراد الجملة على جميع أفراد الجملة الأخرى إذا أمكن, هو الأصل, وشهروا شطر القاعدة القاضي بذلك. وعزاه ابن رجب في معرض شرحه لهذه القاعدة للحنابلة وقال:"والأشهر أنه يوزع كل فرد من أفراد الجملة على جميع أفراد الجملة الأخرى إذا أمكن [3] ".
غير أن طائفة أخرى من الفقهاء اقتصرت على ذكر الشطر الآخر من القاعدة في صيغ متنوعة مختلفة أقواها دلالة عليه وأوضحها تعبيرا عنه قول الدبوسي:"الجمع متى قوبل بالجمع يقابل آحاد أحد الجانبين بآحاد الجانب الثاني [4] "وقول غيره في نفس المعنى:"مقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة الفرد بالفرد [5] ". ولا شك أن تنوع هذه الصيغ وكثرة ورودها في كتب الفقه والأصول يؤيد ترجيح هذا الشطر من القاعدة وبه صرح الزركشي فقال:"والمرجح غالبا توزيع الآحاد على الآحاد" [6] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] اللف والنشر المرتب: أن يأتي النشر على وفق ترتيب اللف، واللف والنشر المشوش: أن يأتي النشر على غير ترتيب اللف.
[2] تفسير ابن كثير 3/ 399.
[3] القواعد لابن رجب، القاعدة (113) ، 2/ 470.
[4] الأسرار للدبوسي 1/ 352.
[5] تكملة البحر للطوري 8/ 563؛ شرح الأحكام للأبياني 3/ 45؛ نهاية الوصول لصفي الدين الهندي 9/ 3940؛ المحصول للرازي 6/ 101؛ حاشية الشلبي على تبيين الحقائق 7/ 478.
[6] المنثور للزركشي 3/ 190.