المثال الأول: من القواعد الفقهية المعروفة قاعدة (الاجتهاد لا ينقض بمثله" [1] . ومعناها: أن الحكم المبني على الاجتهاد إذا وقع وأُمْضِي لا يجوز نقضه باجتهاد مثله, سواء أكان ذلك من المجتهد نفسه, أم من مجتهد آخر [2] ."
وقد ذكر لها العلماء مستثنيات قليلة جدًا, ومنها ما ذكره ابن نجيم بقوله:
"اعلم أن بعضهم استثنى من هذه القاعدة - أعنى الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد - مسألتين:"
الأولى: نقض القسمة إذا ظهر فيها غبن فاحش؛ فإنها وقعت بالاجتهاد فكيف ينقض بمثله؟ والجواب أن نقضها لفوات شرطها في الابتداء, وهو المعادلة, فظهر أنها لم تكن صحيحة من الابتداء, فهو كما لو ظهر خطأ القاضي بفوات شرط, فإنه ينقض قضاؤه.
والثانية: إذا رأى الإمام شيئًا, ثم مات أو عزل, فللثاني تغييره حيث كان من الأمور العامة. والجواب: أن هذا حكم يدور مع المصلحة, فإذا رآها الثاني وجب اتباعها" [3] ."
والمتأمل للمسألتين السابقتين مع ما ذُكِر معهما من توجيه يظهر له أنهما يكشفان عن قيود لهذه القاعدة يتحدد بها مجالها التطبيقي, وهذه القيود هي: أن يكون الاجتهاد الأول صحيحًا مستوفيًا لشروطه, وألا يكون مداره على رعاية مصلحة عامة, وقد أشار بعض العلماء إلى فائدة هاتين المسألتين في الكشف عن قيود القاعدة, فمن ذلك قول التاجي عن المسألة الأولى:
"المراد بالقاعدة: أن الاجتهاد الصحيح المستوفي شروطه لا ينقض باجتهاد مثله, والاجتهاد في القسمة المذكورة ليس بصحيح" [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 101، والأشباه والنظائر لابن نجيمص 105، ومجلة الأحكام العدلية 13 المادة رقم 16.
[2] انظر: درر الحكام 1/ 34، وشرح المجلة للقاضي ص 83.
[3] الأشباه والنظائر ص 106.
[4] التحقيق الباهر - مخطوط - النصف الثاني من الجزء الأول: ورقة 131/ب.