فهرس الكتاب

الصفحة 8948 من 19081

إذن فما استثني من بيوع الغرر - سواءً بالنص أو بالاجتهاد و القياس - فمرجعه إلى ما ذُكر من الشروط؛ إذ إنه لا يمكن حسم مادة الغرر في جميع المعاوضات, لأن هذه الغاية إما متعذِّرة أصلًا أو لا يمكن بلوغها إلا بمشقة معتبرة في إسقاط التكليف, وكلا الأمرين مانع من الوجوب مسقط للمطالبة شرعًا, ومن ثم"لا بد من احتمال الغرر اليسير, وذلك كثير في مسائل الفروع [1] ".

وقد عُلم من أصول الشريعة أيضًا أن الشيء الممنوع إذا عارضته مصلحة راجحة قُدمت عليه, لذلك"قدم رسول الله مصلحة جواز البيع الذي يُحتاج إليه على مفسدة الغرر اليسير كما تقتضيه أصول الحكمة التي بُعث بها وعلمها أمته, ومن طَرَدَ القياس الذي انعقد في نفسه غير ناظر إلى ما يعارض علَّته من المانع الراجح, أفسد كثيرًا من أمر الدِّين وضاق عليه عقله ودينه [2] ".

ثم إن منع الغرر و الجهالة مكمِّل و أصل البيع [3] ضروري, فلو اشتُرط نفي الغرر جملة لانحسَمَ باب البيع, ومن قواعد المقاصد أن"كل تكمِلة فلها - من حيث هي تكمِلة - شرط, وهو ألا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال , وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلِها, فلا يصح اشتراطها عند ذلك [4] ". والحاصل أن عقود المعاوضات الخالصة لا تصحُّ مع الغرر الفاحش لأنه مخالف للغاية من إبرامها, فهو سبب للشحناء والنِّزاع لانطوائه على مُغابنة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تفسير القرطبي 3/ 380.

[2] مجموع الفتاوى لابن تيمية 29/ 51.

[3] مراد الشاطبي من قوله: (وأصل البيع) الأصل الذي يرجع إليه من الضروريات الخمس وهو حفظ المال لأن البيع وسيلة لحفظه.

[4] انظر: الموافقات للشاطبي 2/ 26 - 27، والاعتصام لَهُ 2/ 644.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت