الجهالة الفاحشة لمقتضى هذا الصنف من العقود. فلا يصح العقد مع هذا النوع من الجهالة ولو اتفق العاقدان وتراضيا على ذلك, يقول الزيلعي"ألا ترى أن المتبايعين قد يتراضيان على شرط لا يقتضيه العقد, وعلى البيع بأجل مجهول كقدوم الحاج ونحوه ولا يعتبر ذلك مصحِّحًا [1] ".
إن منطوق القاعدة يمنع المعاوضات المشتملة على الجهالة, ومفهومها أن عقود التبرعات تجوز مع الجهالة, وهو رأي جمهور العلماء خلافًا للشافعي. وقد قصر الجمهور المنع على ما كان معاوضة محضة اعتمادًا على تفريقهم بين أنواع العقود بالنظر إلى ما أبرمت لأجله, فالعقود بمقاصدها, ومن هنا قسم الفقهاء العقود إلى"أربعة أقسام: قسم مشتمل على المعاوضة كالبيع والإجارة, وغير مشتمل كالهبة والوصية, ومشتمل على طريق التبع لمقصد آخر كالنكاح, مقصده المودة والائتلاف واستبقاء النوع الإنساني في الوجود للعبادة ... وغير مقصود أصلا في ذلك التصرف كالطلاق, فإن العوض فيه غير مقصود في أصل النية, ويقع فيه لغرض الفداء من الضرر لا للطلاق, فمنع الشرع من الغرر والجهالة في القسم الأول؛ لأن مقصوده تنمية المال, ... , وهذا القسم هو الذي ورد فيه النهي عنهما, كنهيه عن بيع الغرر وبيع المجهول, والقسم الثاني يجوز فيه الغرر والمجهول إذ لا غَبْنَ - ولا يحسن - لعدم المعاوضة, وأقل الأحوال أن لا يحصل له شيء, فلا ضرر, والقسم الثالث منع فيه ما عظم من الغرر دون قليله ... لأجل اشتراطه في أصله, فلو جوِّز الغرر مطلقًا أهمل الشرط, والرابع يجوز فيه الغرر أكثر من الأول لعدم اشتراط العوض في أصله [2] ."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] تبيين الحقائق للزيلعي 4/ 297.
[2] الذخيرة للقرافي 7/ 30، يلاحظ أن القرافي يجعل العقود مرة ثلاثة أقسام ويجعلها أربعة مرة أخرى، ففي هذا النَّص جعل ما لم يشترط العوض في أصله قسمًا رابعًا، بينما مثَّل لهذا القسم في نصٍّ آخر بالخلع وجعله ملحقًا بأحد القسمين الأولين، أي إما أنه تابع في الحكم لقسم المعاوضات الصِّرفة أو لقسم التبرعات الصِّرفة. انظر: الفروق 1/ 277.