في عاداتهم وعباداتهم. فكم من ساع في تحصيل فضيلة مفرط بأدائها في واجب, كالمرأة ينهاها زوجها عن الخروج من بيتها فتخالفه وتخرج لعيادة قريبة لها مريضة.
ولا يخفى أن هذه القاعدة مقررة حرمة تحصيل الفضائل المؤدي إلى ارتكاب الحرام لأن"ترك الحرام واجب", وهو أصل مقرر كذلك عند العلماء [1] . ومثاله ما نشاهده عند بعض الحجاج والمعتمرين من اقتحام ازدحام شديد لتحصيل فضيلة تقبيل الحجر الأسود في الطواف وهو يعلم أنه لا يسلم إذا دخل فيه من الوقوع في محرم كإيذاء غيره.
وأورد بعض العلماء على هذه القاعدة بوجهيها أمورا أجاز فيها الشارع ترك الواجب لمسائل هي من باب النوافل والفضائل. وقد ذكر السبكي جملة منها ثم خلص بتأكيد اعتبار القاعدة التي بين أيدينا أصلا, ووضع ضابط لما خرج عنها.
يقول السبكي:"لعل الضابط -والله أعلم في تعارض النفل والفرض أن يقال: إن لزم من فعل النفل ترك الفرض بالكلية فلا اكتراث بالنفل, والفرض أفضل مطلقا؛ وإلا (يعني بأن لم يلزم من فعل النفل ترك الفرض بالكلية) فالنفل مقدم في الحقيقة. وإنما احتمل ترك فرض في زمن يسير لا يحصل به تمام الغرض منه, لنفل حصل تمام الغرض منه؛ ألا ترى إلى جواز نظر الطبيب للعورة مداواة, وما ذاك إلا لأن زمن المداواة يسير وفارطه لا يستدرك؛ فكل ما كان من هذا القبيل لا يمنع فيه تقديم النفل, ولكنا نقول الحقيقة تقديم نافلة لأن الفرض لم يترك بالكلية بل اغتفر منه زمن يسير كأنه اقتطع للمصلحة [2] ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المستصفى للغزالي 1/ 59، البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي 1/ 226.
[2] الأشباه والنظائر للسبكي 1/ 197.